محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..

31‏/07‏/2011

أسطورة وخرافة طوفان نوح

الكاتب: سامي لبيب
المصدر: الحوار المتمدن

قصة الطوفان لا تعدو سوى أسطورة أبدعها الفكر الإنساني واضعا ً فيها خياله وفكره وخرافاته , ولكن تكون إشكالية القصة أنها أقحمت نفسها فى الواقع والتاريخ ولم تكتفي بكونها خرافة وخيال بل أرادت أن يكون لها حضور وتاريخ .
قصة الطوفان تجاوزت فكرة الغيبيات التى تعتمد على فرضيات خيالية لا يوجد أي دليل لإثباتها بل وضعت نفسها داخل المشهد الإنساني ليكون وجودها حدثا ً يطرح مشاهد وسيناريو للأحداث ليكون حضورها ليس إفتراضا ً ولا خيالا ً بل حدثا ً تم بالفعل ! .. إن القصة بذلك أقحمت نفسها في الواقع المادي لتشكل حدث واضح الملامح ليضعها بالضرورة على المحك مع العلم والمنطق والعقل .


بداية تذكر لنا الأسطورة أن سبب الطوفان أو الغمر بمعنى أدق هو غضب إلهي على البشر الذين بلغوا حدا ً كبيرا ً من الشرور فنزل الغضب الإلهي بتدمير الكوكب الأرضي بإغراقه بمياه الأمطار ليُفني كل مظاهر الحياة مستثنيا ً في ذلك نوح وأولاده وبعض الحيوانات .

فكرة الغضب الإلهي بهذه الصورة المنتقمة العشوائية تضع الإله أمام إشكاليات كثيرة ..فهل تخلص البشر من الشرور بعد هذا الحدث أم إزدادت دوائره ؟!..فلماذا إذن لم يتكرر حادث الطوفان مرة أخرى ؟!..ولماذا لم يتكرر الغضب ؟!..ألم يعلم الله قبل هذا الحدث أن الأشرار سيتواجدون أكثرمما كانوا ؟!...فما معنى فعل الطوفان من الإعراب ؟!
ألا يحق لنا أن نتوقف أمام إنزال هذا العقاب على الأشرار فى الأرض .. فلماذا إذن الإختبار الإلهي وإعتبار الأرض لجنة إمتحان ؟! ..ولماذا يتم سحب ورق الإجابة قبل إنتهاء مدة الإمتحان ؟!

كما توجد علامة تعجب تعلن عن نفسها ..فحسب الزعم بأن البشر على وجه الأرض تحلوا بالشرور ماعدا نوح البار ..فهل لنا أن أن نثير الإرتياب فى الصنعة نفسها التى أنتجت كل هذا الشر , فالأمور لا تشكل هنا حالة إستثنائية للشر بل هو شر عام .

ثم ألا يحق لنا أن نستنكر ونندهش فى الوقت ذاته من فناء كل الأطفال بلا مبرر فهم لم يبلغوا بعد سن التكليف الذى يعاقبون عليه أو يُصنفون تحت بند الأشرار . !

وأليس لنا أن نندهش من هذه الضربة العشوائية التى تفتقر للحكمة والتريث عندما يتم هدم الأرض بكل ما فيها من أجل حفنة أشرار ..فهل من المعقول أن نقبل من أب يريد أن يعاقب إبنه العاق فلا يكتفي بضربه بل قتله وحرق المنزل والأثاث وكل بيوت الجيران .!!
ألم يستطع الإله القدير أن يفني الأشرار ويبقي الحياة على الأرض كما هي ..ألم يملك قنابل ذكية تصيب الأشرار فحسب .؟!!

أما إذا تناولنا قصة الطوفان كحدث وقع بكل ملابساته ومشاهده المذكورة في الأسطورة فإننا سنتصادم مع العلم بالضرورة ليقوض بناء الأسطورة ولا يترك بها حجراً على حجر .
فبالرغم أن العلم توصل إلى رصد كوارث أكبر من الطوفان وفى فترات زمنية سحيقة تمتد إلى ملايين السنين إلا أنه لم يجد أى دلالة مادية لحدوث الطوفان المزعوم بالرغم أنه حسب السرد الديني فهو كان بالألف الرابعة قبل الميلاد .. والطريف أن فى هذا التوقيت كانت هناك حضارات ومدنيات فاعلة في مصر وبابل والصين والهند .

لك أن تسأل من أين جاءت كمية المياه الإضافية التى غمرت الأرض حتى تغطس قمم الجبال إذا كانت دورة المياه واحدة منذ بدء الوجود ..فمن أين جاءت ؟!..والأغرب أين ذهبت وتسربت .؟!

ولكن الأمور لا تكتفي بإستحالة وجود مياه إضافية أو متسربة خارج دورة المياه فى الطبيعة ... بل إستحالة تَكون أكثر من 2.5 سم من المياه على سطح الأرض إذا هطلت الأمطار لمدة أربعون يوم متواصلة حسب الأسطورة ومع إفتراض عدم تسرب هذه المياه بينما تزعم الأسطورة أن الماء غطى أعلى قمم الجبال وهى جبال إيفرست الشهيرة والتى يبلغ إرتفاع قمتها أكثر من 9 كيلومترات عن سطح البحر . !

ولك أن تسأل أيضا ً بإمكانية بقاء كوكب الأرض مستقرا ً ومتوازنا ً ومحافظا ً على قشرته الأرضية لو أصبح كرة مائية ترتفع المياه في كل أرجاءه بمنسوب مياه لا يقل عن تسع كيلومترات .!

ثم نأتي إلى المشاهد والسيناريو الذي سبق الطوفان , وإعداد نوح لسفينته التي ستحمله هو وأولاده وكل ذكر وأنثى من كل كائن حى لنرى حجم الإشكاليات الناتجة من وضع الأسطورة محل التنفيذ .
بداية نجد أن الأسطورة نست وتغافلت أن تجعل نوح يحمل معه بذور وشتلات للنباتات على ظهر سفينته حتى يعيد الوضع مرة أخرى للحياة النباتية على الأرض بعد حادث الغمر الذى إمتد لمدة 150 يوما ً .!
ولكن سنأتي للحدث الجلل وهو وضع نوح لذكر وأنثى من كل حيوان وطائر ..بالطبع حسب مُبدع الأسطورة كانت الأمور لا تعدو بالنسبة له سوى جمل ومعزة وخروف ولكن العلم يقول لنا أن نوح من المفروض أنه حمل على ظهر سفينته البائسة عددا هائلا ً من الكائنات الحية المتنوعة عبارة عن
13000 نوع من الطيور + 3500 من الزواحف +1400 من البرمائيات +16000 من العنكبوتيات +360000 من الحشرات + أكثر من 4000 من الحيوانت الثديية كان على السيد نوح أن يرفق كل هذه المظاهرة في سفينته حتى يحافظ على وجه الحياة كما هي بعد الطوفان .

بالطبع علينا تصور أن هذه الكائنات لم توضع في السفينة هكذا وبشكل عشوائي بل سيكون هناك أقفاص تحدها وتفصلها عن بعضها , علاوة على ممرات بينها تسمح بالرص والمتابعة والمرور, ولندرك بالتالي أن أبعاد السفينة البائسة بأبعادها المذكورة بالأسطورة لا تكفى 1% من إستيطان هذه الأعداد من الحيوانات والطيور والحشرات .
أن حجم الفنتازيا المتولدة من الأسطورة تجعلنا نتيقن أن خيال كاتبها لم يمتد أكثر من إحتواء السفينة سوى على جمل ومعزة وخروف مع بعض البرسيم وأن فكره البدوي وجهله المعرفي لم يدرك من الحيوانات إلا هكذا .

سنكتشف من التتبع المنطقي لأبعاد الأسطورة بأن نوح أصبح عالما ً بيولوجيا ً ومستكشفا ً عظيما ً وأنه قام برحلات بحرية رائعة قبل رحلة الطوفان تلك !!
فتبدأ فصول التعجب عندما نعرف بأن هناك حيوانات وطيور وحشرات توجد متفردة في أماكن متطرفة من العالم ولا تتواجد في أي منطقة سواها مثل الكائنات الحيوانية التي تعيش في استراليا وسيبريا وجزر الكاريبي والقطب الشمالي والأمريكتين .
هذا يعنى أن نوح ذهب إلى هذه الأماكن النائية ليحوز على ذكر وأنثى من كل نوع وهذا يتطلب بالضرورة خبرة هائلة في علم الحيوان ولن تقتصر الأمور على المجهود الخرافي المبذول في تجواله بين أرجاء الكرة الأرضية باحثا ً عن حيواناته !!..بل سنجد أن السيد نوح كان مستكشفا ً عظيما ً لأماكن مجهولة من العالم فقد وصل بقدميه للأمريكتين وإستراليا وجزر الكاريبى بالضرورة وهذا يعنى أنه قام بجولات إستكشافية مكوكية إلى هذه المناطق مما يعنى أنه قام بإنشاء سفن لهذه المهمة قبل إعداده لسفينة الطوفان .
هناك إشكالية أخرى يبدو أن السيد نوح قام بها قبل تشييد مركبته الخشبية وهو إعداده لكم هائل من الأقفاص الحديدية والزجاجية والبلاستيكية لنقل الحيوانات والطيور والحشرات والحيات إلى مكان رسو سفينته .. وهنا سنجده قام بإختراع وتصنيع الزجاج والبلاستيك والحديد لصنع أقفاصه بينما كانت مركبته البائسة لا تعرف سوى الخشب .

ولكن يبدو أن هناك مشكلة كبرى واجهت السيد نوح وهى عملية نقل وتشوين هذه الأقفاص من أماكن تواجد الحيوانات والطيور إلى ميناء الإقلاع لسفينته الشهيرة ..فبالتأكيد لم يحملها على أكتافه من أقاصي الأرض إلى مكان سفينته ..لذا يبدو أنه شيد ومدد شبكة من السكك الحديدة لإنجاز هذه المهمة .!!!

ولكن يبدو أن مشاكل نوح لا تنتهي .. فهذه المملكة الغفيرة من الحيوانات والطيور والحشرات تحتاج للطعام لمدة 150 يوما وهى مدة سقوط الأمطار والإبحار ..إذن هو في حاجة إلى كمية هائلة من الغذاء والأعشاب وخلافه ليتم إضافتها إلى السفينة حتى يطعم بها هذا الجيش الجرار من الحيوانات والطيور .
نسينا أن نهمس في أذن السيد نوح بأن يأخذ في حساباته كميات إضافية من الطعام تكفى الحيوانات بعد إنحسار الطوفان لحين رجوع الأرض لسابق عهدها ..كما يجب أن ننبه بأن هناك حيوانات كثيرة آكلة للحوم وعليه أن يضيف لسفينته كم هائل من الفرائس تكفى لغذاء هذه الحيوانات مدة الطوفان وما يليها حتى يحدث التكاثر ولا تفترس هذه الحيوانات المفترسة الحيوانات الأخرى المرافقة والتي تم إنقاذها .. وكأنك هنا يا زيد ما غزيت .
لا نريد أن نثقل كاهل السيد نوح بضرورة وجود مبردات لحفظ هذه الفرائس التي ستمكث معه لأكثر من 150 يوما .!!

بالفعل القصة ساذجة بما يكفي لأن الخوض في التسلسل المنطقي لها سوف يورطها في إشكاليات يستحيل معها تحقيق الحدث علاوة على إشكالياتها مع العلم ..لذا هي لا تخرج عن كونها أسطورة وخيال إنساني قديم نسج خيوط قصته دون أن يعبأ بمنطقيتها ومعقوليتها .

الطريف أن هذه الأسطورة ليست إرثا ً إبراهيميا ًخالصاً ..أى ليست حكرا ً على التوراة بإعتبار أنها ذكرتها فى سفر التكوين ..بل هى قصة مقتبسة من موروثات إنسانية أخرى سبقت الأديان الإبراهيمية فى الوجود ..وما القصة التوراتية وما بعدها القرآنية إلا إستنساخ لقصص حضارات أخرى مع بعض التعديلات التي حتمتها الرغبة في التمايز أو قل هو تطور الأسطورة .

** النص السومري عن الطوفان
عثر العالم آرنو بوبل على مجموعة ألواح تعود للألف الثالث قبل الميلاد، دوِّن عليها نص عن الطوفان يتشابه مع رواية التوراة عن الطوفان.. فترك ذلك الاكتشاف صدى واسعاً في الأوساط العلمية، والنص فيه تشوه بحكم الزمن ولكن المقروء منه يفسر الأسطورة بلا عبأ .
فملخصه أن الآلهة قررت إفناء البشر بالطوفان.. وبعض الآلهة كان معارضاً لهذا القرار.. وأحدهم أخذ على عاتقه مهمة إنقاذ بذرة الحياة على الأرض، وكان على الأرض ملك صالح يدعى "زيو سودرا" فيتصل به الإله المنقذ من وراء حجاب فيخبره بقرار الإفناء، وفيما يلي مقاطع من الأسطورة :
"في ذلك الحين بكت "ننتو" كامرأة في المخاض. وأنانا المقدسة ناحت على شعبها... وانكي تفكَّر ملياً وقلب الأمر على وجوهه... في تلك الأيام "زيو سودرا" كان ملكاً وقيِّماً على المعبد. قام بتقدمة ذبيحة عظيمة جداً، وجعل يسجد بخضوع... بتبجيل. وبإصرار كل يوم كان يقف منتظراً وحي الآلهة. فرأى في أحد الأيام حلماً لم يرَ له مثيلاً قط" يتشوه النص والمقاطع التالية تقول: "زيو سودرا واقفاً بجانبه (أي الجدار) يسمع صوتاً. قف قرب الجدار على يساري واسمع، سأتوجه لك بكلمة عند الجدار فاتبع ما أقوله لك وأعط أذناً صاغية لوصاياي، بأيدينا سنرسل طوفاناً من المطر... للقضاء على بني الإنسان... ذلك حكم وقضاء مجمع الآلهة. قضاء (آنو) و (أنليل). لمحو سلطة البشر والقضاء على حكمهم".‏
"هبت كل العواصف دفعة واحدة. ودفعت سيول الأمطار أمامها...وبعد سبعة أيام وسبعة ليال، غمرت سيول الأمطار وجه الأرض، ودفعت العواصف المركب العملاق فوق المياه العظيمة. ثم ظهر "أتو" –أي إله الشمس- ناشراً ضوءه على السماء والأرض... فتح زيو سودرا كوة في المركب الكبير وسمح لأشعة البطل "أوتو" بالدخول إليه. زيو سودرا الملك خرَّ ساجداً أمام أوتو ونحر ثوراً وقدم ذبيحة من غنم". يتشوه النص ولكن تنتهي القصة بـ "زيو سودرا الملك سجد أمام آنو وأنليل. ومثل إله وهباه حياة أبدية، ومثل إله وهباه حياة خالدة، عند ذلك زيو سودرا الملك دعي حافظ بذرة الحياة، وفي أرض... دلمون حيث تشرق الشمس أسكناه".‏

** ملحمة جلجامش

ومن غير الدخول في تفاصيل ملحمة جلجامش يفقد جلجامش صديقه (أنكيدو) فيحزن عليه، ويريد إعادة الحياة له، فيهيم على وجهه في البراري والقفار باحثاً عن سر الخلود، ويقصد جلجامش شخصاً يدعى "أوت –نابشتيم" الذي منَّت عليه الآلهة بالحياة السرمدية، ليسأله عن سر الخلود ... ويصل جلجامش إليه بصعوبة ويسأله عن سر الخلود، فيقص عليه (أوت- نابشتيم) كيف حصل على الحياة الأبدية بحادث فريد هو الطوفان الكبير وفيما يلي مقاطع من الأسطورة:

يسألُ جلجامشُ أوت –نابشتيم "أخبرني كيف حصلت على رفقة الآلهة ونلتَ الخلود؟ فقال أوت –نابشتيم لجلجامش: جلجامش... سأكشف لك سراً كان مخبوءاً، وأبوح لك بسرٍ من أسرار الآلهة. "شوريباك" مدينة أنت تعرفها، تقع على شاطئ نهر الفرات. لقد شاخت المدينة والآلهة في وسطها، فحدثتهم نفوسهم أن يرسلوا طوفاناً. كان هناك "آنو" أبوهم، كما كان "أنليل" مستشارهم و "ننورتا" ممثلهم و "اينوجي" وزيرهم، و "ننجيكو" الذي هو "أيا" كان حاضراً أيضاً، فنقل حديثهم إلى كوخ القصب – (بيت أوت- نابشتيم) –يا كوخ القصب يا كوخ القصب، جدار يا جدار، اصغ يا كوخ القصب، وتفكر يا جدار، رجل شوريباك، يا ابن أوبارا-توتو. قوِّض بيتك وابنِ سفينةً. اهجر ممتلكاتك وانج بنفسك... اترك متاعك وأنقذ حياتك.. اعمل على حمل بذرة كل ذي حياة... والسفينة التي أنت بانيها، ستكون وفقاً لمقاسات مضبوطة. فيكون عرضها معادلاً لطولها، وغطها كما هي المياه السفلى. عندما فهمت ذلك قلت لـ "إيا" مولاي: سأضع نصب عيني ما قد أمرتني به وأعمل على تنفيذه".‏

ويتابع أوت-نابشتيم حديث لجلجامش، إلى أن يقول: "وفي اليوم الخامس أنهيت هيكل السفينة، كانت أرضيتها "ايكو" واحد – (مقياس يعادل 3600م2) – وارتفاع جدرانها مائة وعشرين ذراعاً، وطول كل جانب من جوانب سطحها مائة وعشرين ذراعاً، حددتُ شكلها الخارجي وشكلته، وستة سطوح سفلية بنيت فيها، وبذلك قسمتها لسبعة طوابق... كما قمت بتقسيم أرضيتها لتسعة أقسام، وثبت على جوانبها مصدرات الماء. زودتها بالمؤمن والذخيرة" ويتابع أوت نابشتيم حديثه حتى يصل إلى "حملتُ إليها كل ما أملكه. كل ما أملكه من فضة، حملتُ إليها. كل ما أملكه من ذهب حملتُ إليها... كل ما لدي من بذور كل شيء حي حملت إليها... وبعد أن أدخلتُ إليها أهلي وأقاربي جميعاً، وطرائد البرية ووحوشها وكل أصحاب الحرف، عين لي الإله "شمش" وقتاً محدداً: (عندما يرسل سيد العاصفة مطراً مدمراً في المساء أدخل الفلك وأغلق عليك بابك).
وما إن أزف الموعد، حتى أرسل سيد العاصفة مطراً مدمراً في المساء... قلبتُ وجهي في السماء كان الجو مرعباً للنظر، دخلتُ السفينة وأغلقتُ عليَّ بابي، وأسلمتُ قيادها للملاح "بوزور-آموري" أسلمته الهيكل العظيم بكل ما فيه... وما إن لاحت تباشير الصباح، حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء، يجلجل في وسطها صوت "حدد"- ويسبقها "شوللات" و "خانيش" –اقتلع "أريجال" الدعائم وقام "ننورتا" بفتح السدود... رفع (الأنوناكي) مشاعلهم، حتى أضاءت الأرض ببريقها. إلا أن ثورة حدد بلغت حدود السماء، أحالت إلى ظلمة ما كان مضيئاً، وقام بتحطيم الأرض كما تحطم الجرَّة، عصفت الرياح العاتية يوماً كاملاً، بعنف عصفت... أتت على الناس وحصدتهم كما الحرب، حتى عمي الأخ عن أخيه، وبات أهل السماء لا يرون أهل الأرض، حتى الآلهة ذعروا من هذا الطوفان، وهربوا صاعدين إلى سماء "آنو". انكمشوا كالكلاب الخائفة وربضوا في أسى.‏

صرخت "عشتار" كامرأة في المخاض، ناحت سيدة الآلهة ذات الصوت العذب: (لقد آلت إلى طين تلك الأيام القديمة، ذاك بأنني نطقت بالشر في مجمع الآلهة، فكيف استطعت أن آمر بمثل هذا الشر؟ كيف استطعت أن آمر بالحرب لتدمير شعبي؟ تدمير من أعطيتهم أنا الميلاد. وها هم يملأون اليمّ كصغار السمك). وبكى معها آلهة الأنوناكي، وجلسوا يندبون وينوحون وقد غطّوا أفواههم.‏

ستة أيام وستة ليال، والرياح تهب، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض،ومع حلول اليوم السابع، العاصفة والطوفان خفت من وطأتها، وكانت قبل كأنها الجيوش المحاربة، وأخذ البحر يهدأ والعاصفة تسكن. والطوفان يتوقف، فتحت نافذة فوقع النور على وجهي، نظرت إلى البحر كان الهدوء شاملاً، وقد عاد البشر إلى طين".‏

ويتابع أوت –نابشتيم حديثه لجلجامش: "واستقرت السفينة على جبل (نصير)، أمسك الجبل بالسفينة ومنعها من الحركة... ومضى اليوم الأول والثاني والجبل ممسكاً بالسفينة... ومضى اليوم الثالث والرابع والجبل ممسكاً بالسفينة... ومضى اليوم الخامس والسادس والجبل ممسكاً بالسفينة... وعندما حلَّ اليوم السابع، أتيت بحمامة وأطلقتها في السماء... طارت الحمامة بعيداً، وما لبثت أن عادت إليَّ، لم تجد مستقراً فآبت... فأتيتُ بسنونو وأطلقته في السماء، طار بعيداً ثم أتيت بغراب وأطلقته في السماء، فطار الغراب وما لبث أن عاد إليَّ. لم يجد موطئاً لقدميه فآب.‏

مما سبق يتضح بأننا أمام قصة لا تخرج عن طور الأسطورة المرسومة بخيال إنسان بسيط في إمكانياته ووعيه ويأتي تصوره للأمور في إطار عجزه المعرفي عن فهم قوى الطبيعة .
فالأمور لم تخرج عن حادث فيضان محدود خلع في طريقه أمانه وسلامه لتطل ملامح الموت والخراب والحزن بفقد أحبائه وماشيته وأرضه .. فيعزي هذا الأمر لقوى وراء الطبيعة أنزلت غضبها وثورتها عليه ليبحث عن مصدر الخطأ الذي جعل الآلهة تثور فيجد أن الخطيئة الكائنة في بعض الأشرار هي مصدر هذه الثورة الإلهية .
بالفعل تضع الأسطورة ملامحها المعبرة عن رؤية مفكريها لتبدأ في الإنتشار والتمدد ولتجد الهوى في نفوس بشرية أخرى تفسر الكوارث الطبيعية بهذا المنحى ..ثم تضيف كل ثقافة نكهتها الخاصة وتستبدل الإله وتضع صورة إلهها على الواجهة .

قصة طوفان نوح هي أسطورة وجدت الحضور والإنتشار لترسم ملامح عن الخطية والشر والإله المنتقم في النفسية الدينية وتفسر الكوارث الطبيعية ..ولكن أن تجد حضورها في عقلية إنسان القرن الواحد والعشرون فهي مصيبة كبرى بكل معنى الكلمة كونها تتناقض مع العلم والمنطق والعقل علاوة على إصابتها لفكرة الإله ذاتها .
المشكلة أن التسليم بحدوث الطوفان بكل أبعاده وتناقضاته يجعل العقل قادراً على التسليم والإنسحاق أمام فرضيات وغيبيات أخرى ليصبح العقل ساحة ترانزيت يسمح بمرور الأفكار بدون ان يناقشها ويتأملها .

عذرا ً على الإطالة ودمتم بخير .

6 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها