محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..

04‏/11‏/2007

حوار مع صديقي الملحد - قراءة نقدية

عندما عجز دون كيشوت عن تحقيق أي انتصار، حارب طواحين الهواء التي لا تستطيع له ردًا، لقد خلق عدوًا يقدر على هزيمته، تمامًا هذا ما فعله الدكتور مصطفى محمود في كتابه (حوار مع صديقي الملحد) ، فقد خلق ملحدًا ساذجًا، وجعله يلقي أسئلته كما أرادها هو ليقوى على الرد.
في هذا الموضوع سأتناول الأفكار الرئيسية الواردة في الكتاب فصلاً فصلا بالنقد والتحليل، وفي هذه المداخلة وقبل أن أبدأ في الموضوع أود تناول الدكتور مصطفى كظاهرة، فهو طليعة أصحاب الإعجاز العلمي، ولولا أن العصر غير العصر لكان أعلاهم شأنًا الآن.

د. مصطفى محمود منوفي من مدينة شبين الكوم عاصمة المنوفية، وقد ولد عام 1921 وتخرج من كلية الطب عام 1953 متأخرًا عن أقرانه عدة سنوات، وبحلول سنة 1960 تفرغ للكتابة الصحفية والقصصية، وهو غزير الإنتاج إذ قدم للمكتبة العربية 89 كتاب بين القصة والرواية وأدب الرحلات والكتب الفلسفية والدينية والسياسية والاجتماعية وكتب في التصوف والمسرح أيضًا، هذا بخلاف 400 حلقة من حلقات برنامجه الشهير العلم والإيمان، وأعتقد أنه اعتمد على مادة فيلمية من إعداد عالم الرياضيات الذي تخصص في قياس أبعاد الحفريات (ياكوب برنوفسكي) والذي اشتهر بإلحاده، حيث رأيت عدة حلقات بريطانية قديمة للعالم المذكور بنفس المادة الفيلمية والتي يعجز علماءنا الأشاوس مجتمعين عن تصوير دقيقة منها ولكنهم لا يخجلون من استخدامها للترويج لأفكار مخدرة ومعطلة للبحث بين شبابنا الذين يعتمدون على هذا الانتصار الوهمي على علوم الحضارة الغربية باعتبار أن قرآننا قالها قبلهم، ويذكر الدكتور مصطفى محمود أن البرنامج من تمويل رجل أعمال دعمًا للإيمان ولكنه لم يفصح عن اسمه ولا جنسيته، ويدعي الدكتور مصطفى أنه كان ملحدًا وآب، وأنه خبر الماركسية وسبر أغوارها فاكتشف تهافتها قبل الأمريكان أنفسهم، ومن قراءاتي لكتاباته ضد الإلحاد وضد الماركسية أؤكد بضمير مستريح أنه لا علاقة له لا بهذا ولا بتلك، بل إن أغلب ما ذكره عنهما مغلوط مجزوء، وكي لا أطيل عليكم اسمحوا لي بساعة أكتب فيها عن الفصل الأول من كتابنا اللوذعي.


الفصل الأول
في الفصل الأول وعنوانه (لم يلد ولم يولد) يستعرض الدكتور مصطفى محمود ثلاث أفكار رئيسية بشكل مقتضب، وهي:

1- السببية

2- مقولة الصدفة

3- الوحدانية


تحت النقطة الأولى يقول الملحد الخيبان لصديقه المؤمن:
أنتم تقولون : إن الله موجود .. وعمدة براهينكم هو قانون "السببية" الذي ينص على أن لكل صنعة صانعاً.. ولكل خلق خالقاً .. ولكل وجود موجدا .. النسيج يدل على النسّاج .. والرسم يدل على الرسّام .. والنقش يدل على النقّاش .. والكون بهذا المنطق أبلغ دليل على الإله القدير الذي خلقه ..
صدّقنا وآمنّا بهذا الخالق .. ألا يحق لنا بنفس المنطق أن نسأل .. ومن خلق الخالق .. من خلق الله الذي تحدثوننا عنه .. ألا تقودنا نفس استدلالاتكم إلى هذا .. وتبعاً لنفس قانون السببية .. ما رأيكم في هذا المطب دام فضلكم ؟
ويرد المؤمن بأن السؤال فاسد، لأن الملحد يقول بأن الله خالق ثم يسأل من خلقه فيجعل منه خالقًا ومخلوقًا في نفس الوقت.
كما يرد بأن الله لا يخضع لقوانين مخلوقاته، فالسببية قانون بشري محدود.

ونرد على الدكتور بأنه نسي أن الملحد لم يؤمن أن هناك خالقًا، وإنما افترض ذلك لبيان فساد منطق المؤمن، ثم إن اجتماع صفة الخالق والمخلوق في ذات واحدة أمر عادي، فالقرآن يقول (تبارك الله أحسن الخالقين) من هم الخالقين الآخرين؟ إنهم البشر، وهم مخلوقون في نفس الوقت بمنطق المؤمن، فكيف يرى فساد اجتماع الصفتين ويجمعهما بدليل قرآنه؟
ثم إن قانون السببية أجراه المؤمنون على الله عندما استدلوا به على وجوده، ثم عطلوه هم أنفسهم عند الاستدلال على ذاته، فمن الذي يناقض نفسه.
ولي وقفة هنا بخصوص هذا القانون، ففكرة أن لكل صنعة صانع جاءت من المشاهدات الإنسانية، بمعنى أننا لم نر أبدًا قلم حبر بدون صانع، فعندما نجد قلم حبر ملقى بالطريق نسأل من صنع هذا القلم وما الذي أتى به إلى هنا؟ سؤال مشروع نتج عن ملاحظات إنسانية، ولكن من منكم عندما يجد حجر بالطريق يسأل مثل هذا السؤال؟ لا أحد، لأن الملاحظة الإنسانية لم تعتد أن هناك صانع وراء الحجر، وسؤالي هو: هل منكم من رأى كونًا صنعه إله قبل هذا الكون فاستدل به أن لكوننا صانع؟؟
ويذكر مصطفى محمود في محفل رده رأي لكانت ذكره في كتاب (نقد العقل الخالص) مفاده أننا لا يمكن أن نستدل على الله بالعقل، بل نستدل عليه بالضمير، ويدهشني هنا مناقضة الدكتور لنفسه، فلو كان يؤيد مقولة كانت فلماذا يرهق قلمه في إثبات وجود الله بالعقل؟؟ والغريب أن مصطفى محمود لم يذكر رأي كانت الذي جاء بنفس الكتاب من أن الإجابة على مسألة وجود الله بنعم أو بلا خاطئة، وسمى من أجاب بإجابة قاطعة أنه أوقع نفسه بمصيدة فكرية، أي أن الدكتور انتقى من كلام كانت ما يعجبه بعد أن فرغه من فكر كانت نفسه، وفعلها مرة ثانية عندما استدل برأي أرسطو أن سلسلة الموجودات يجب أن تصل لمحرك أول في غير حاجة إلى من يحركه، ولكنه لم يذكر رأي أرسطو حول هذا المحرك وكيف استدل بنفس المنطق أنه دائرة مغلقة على ذاتها ولا ينبغي أن يفكر فينا لأن التفكير في النقص نقص إلى آخر استدلالات أرسطو، يجوز الدكتور لم يأخذ باله من هذا الكلام معلهش.

النقطة الثانية وهي مقولة الصدفة، وأرجو أن تركزوا معي لأن هذه المسألة ملتبسة بعض الشئ، أولاً لا يوجد شئ يحدث بالصدفة، وهذا لا يعني أن لكل شئ سبب، وإنما يعني أن الصدفة هي تلاقي الضرورات، مثال توضيحي: لو كنت ألقي بحصاة من الشباك كل عشر دقائق بين الساعة الثامنة والتاسعة، ويمر جاري ذاهبًا لعمله من تحت شباكي في الثامنة والنصف كل يوم، فستسقط الحصاة الرابعة على رأسه أثناء مروره، فلا هو مار بالصدفة ولا أنا ألقي الحصوات بالصدفة، ولكن التقاء مروره بإلقائي للحصاة الرابعة هو ما يسمى صدفة.
نرجع للدكتور مصطفى إذ يسأل عن احتمال سقوط الأحرف في مطبعة مكونة قصيدة لشكسبير، وهل هذا الكون المنتظم يمكن أن يكون صدفة؟ فنقول له أن احتمال تكوين الأحرف لتلك القصيدة يعرف من محصلة عدد الأحرف وعدد الكلام بكل اللغات اللاتينية وعدد الأبيات وعدد مرات إسقاط الأحرف، والناتج سيكون رقم ضئيل للغاية، ربما واحد على مليون مليون تريليون، ولكنه قائم، ومعنى أنه قائم أنه محتمل الحدوث، وهناك شئ بخصوص قوانين الاحتمال تلك لأنها مخادعة بعض الشئ، فاحتمال ظهور الرقم خمسة عند إلقاء حجر نرد يساوي سدس، ولكن هذا لا يعني أنني سأحصل عليه مرة إذا رميت النرد ست مرات، فقد أحصل عليه من أول مرة، وقد لا أحصل عليه ولا بعد مائة رمية، وصغر احتمال تشكل الحياة لا ينفي حدوثه، ومما يؤكد كلامي أن الأجزاء المعروفة لنا من الكون غير صالحة للحياة، لأن قانون الاحتمالات ولضآلة نسبته فيما يخص تكون الحياة لم تتلاقى ضروراته غير هنا.

وفي النقطة الثالثة يسأل الملحد سؤالاً ساذجًا عن سبب أن يكون هذا الإله واحد، ويجيب الدكتور بالإجابة الكلاسيكية أن هذا واضح من وحدة خامة صنع الكون، وفجأة يضرب بكلامه الذي قاله من صفحة واحدة عن عدم سريان القوانين المحدودة بالزمان والمكان على الخالق عرض الحائط، ويجري عليه قانونًا وضعيًا عرفناه برصد الظواهر وتحليلها، فعلى الأغلب يمكننا أن نستدل على رسام معين من استخدامه للخامات وطريقة صياغته للألوان وطبيعة خطوطه وأفكاره، قانون وضعي ولكن لأنه هنا في صالحه يستخدمه بكل براءة، وهناك يمنع الملحد عن استخدامه بكل وقاحة، ناسيًا أيضًا أن حتى هذا الاستدلال خطأ، فمهما بلغت حنكة الناقد فقد يخطئ في نسبة لوحة ما لشخص ما لتشابه الكثير من فنانين عصر النهضة مثلاً، فأي شئ أثبته الدكتور بهذا الكلام؟


الفصل الثاني
الفصل الثاني من الكتاب عنوانه (إذا كان الله قدر عليّ أفعالي فلما يحاسبني؟) على اعتبار أن هذا سؤال ورد عن شخص ملحد لا يؤمن بالله، وقد خصص دكتور مصطفى هذا الفصل لمناقشة التخيير والتسيير، ولكنه بقدرة قادر تحول للكلام عن الماركسية والمادية، واستخدم بعض أفكار أهل السنة وبعض أفكار الصوفيين، أي سمك لبن تمر هندي، ولأن معظم كلامه في هذا الفصل إنشاء كزبد البحر فلم استطع تلخيصه في نقاط، ولكنه بخصوص التسيير والتخيير قال الكلام المحفوظ عن أن الأفعال مقدرة في علم الله وليست مقدورة على الإنسان، وضرب المثال الأشهر عن الأب الذي يعلم أن ابنه سيزني فزنى، فهل أجبره هو على الزنا؟؟

ونرد على الدكتور مصطفى بأنه يخلط الأمور خلطًا كبيرًا هنا، فعلم الأب احتمالي، وناتج عن خبرة بالإبن من طول العشرة، ولكن علم إلهه أزلي، أي سابق على الخلق، فلو علم الأب قبل الإنجاب أنه سينجب ابنه ليتعذب ولم يمتنع عن إنجابه لكان مجرمًا، والإله كلي القدرة والمعرفة في التصور الإسلامي، وهو الذي خلق عقل الإنسان، أي وضع به (السوفت وير) الذي يقوم بهذه الاختيارات، ثم عاقبه عليها.

وبدون سابق إنذار يدلو الدكتور بدلوه في مسألة الحرية ردًا على الملحد الذي يسأل عن حريته في تغيير مسار الشمس، وبصراحة لا أعرف أي ملحد أحمق سأل هذا السؤال أو رغب هذه الرغبة، وأظن أن الإجابة سبقت وضع السؤال المناسب لها، وعلى أية حال هو لم يقل شيئًا ذو قيمة في مسألة الحرية لنرد عليه.

يبقى موضوع أخطاء ماركس وقوله بالحتمية، وهو يدل على أن معلومات الدكتور عن ماركس كمعلوماتي عن اليابانية، صفر، فكارل ماركس يقول (الإنسان كائن يصنع تاريخه في ظل ظروف ليست من صنعه) ويرى أن الإنسان مخير في حدود ظروفه الذاتية والموضوعية والتي تشكل حتمية ما، ولنفهم هذا الأمر أضرب لكم المثال الآتي: إن قرار الزواج هو اختيار حر تمامًا من الإنسان، يستطيع الإنسان أن يتزوج أو يضرب عن الزواج أو يعدد زوجاته، ولكن أي عالم اجتماع تتوافر له معلومات كافية عن مجتمع ما يستطيع التنبؤ بنسب الزواج والطلاق في كل سن وكل شريحة، وبنسبة دقة عالية للغاية، فكيف أمكنه هذا إلا في ظل حتمية ما؟
وقبل ماركس كان الفلاسفة يؤيد بعضهم الحتمية وبعضهم الإرادة الحرة، ولكن ماركس ابتكر نوع جديد يسمى بالحتمية الرقيقة، وهي الموضحة بمثال الزواج أعلاه.
بالنسبة لتنبؤات ماركس والتجربة السوفييتية، فقد أخطأ ماركس في الكثير من استنتاجاته، وهذا أمر عادي ولا يهدم قيمته كفيلسوف وعالم اقتصاد، والتجربة الستالينية رفضها الشيوعيون أنفسهم وأسموها رأسمالية الدولة، وهي ضد كل أفكار ماركس، ولمن أراد الاستزادة في هذا الشأن الرجوع لكتاب (الثورة المغدورة) تأليف ليون تروتسكي الرجل الثاني في الثورة البلشفية والذي كتبه سنة 1935، أو كتاب (رأسمالية الدولة في روسيا) تأليف توني كليف رئيس الحزب الاشتراكي البريطاني وكتبه سنة 1948.


الفصل الثالث
في الفصل الثالث الذي عنوانه هو سؤال يطرحه ملحده الذي هو مرآة نفسه (لماذا خلق الله الشر؟) ، وهذه القضية لا تعنينا كثيرًا، إذ لم نعترف أصلاً بوجوده، فما جدوى الدخول في تفصيلات كتلك؟ ولكن لنريح دكتور مصطفى ومن تبع خطاه نقرأ هذا الفصل سويًا ونرد عليه:

يتركز كلام الدكتور في النقاط التالية:

1- الله خير كله، وهو لا يأمر بشر أبدًا، وإنما سمح به لحكمة، ويستند على الآية 28 من سورة الأعراف.

2- الشر من الناس والله يتركهم لأنه أرادهم أحرارًا.

3- الخير هو القاعدة والشر هو الاستثناء.

4- للشر دائمًا جانب خيّر.

5- لولا الشر لما عرفنا الخير.

6- الدنيا هي فصل واحد من رواية ستتعدد فصولها بعد الموت، والشر والخير مردودان على أصحابهما.

7- الحياة بلا شر هي الكمال والذي لا يجوز إلا لله.

8- الخير من الله والشر من أنفسنا.

وخلافنا هنا مع الدكتور مصطفى في الأساس، أي في وجود قوة عاقلة وراء الخير والشر في العالم، لذا فلا داعي للرد على الموضوع من أساسه إلا بعد أن يثبت وجود هذه القوة، وهو الأمر الذي حاوله في الفصل الأول وفشل، ولكنا سنبين بعض أخطاء الدكتور المنهجية في هذا الفصل لمن أراد الاستزادة.

أولاً هو لم يوضح لنا ما الذي يقصده بالخير والشر، وأعني ككلمات مجردة، وأعتقد أنه ابتعد عن الدخول في هذه التفصيلة لتشابكها وعدم وجود حد فاصل بينهما، بل إن ما يعتبره شر يكون نفسه خير وليس فيه جزء خير فقط مثلما ذكر في النقطة الرابعة، فمثلاً القتل شر، ولكن بحسب الفلسفة الإسلامية فهو خير في حالات ما، وبالنسبة للنقطة الأولى أن الله لا يأمر بشر أذكره بآية:

وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً الإسراء 16

وبرغم محاولة البعض تأويلها إلا أنها واضحة تمامًا، إن الله هنا يأمر بفسق، وتفسير القرطبي للآية في أول خمسة أسطر ذكر ذلك صراحة، ولا يمكن أن يكون الفسق خير.

في النقطة الثانية يرجع بنا الدكتور للحرية والتسيير والتخيير لذا أحيل القارئ لنقد الفصل الأول.

الثالثة والرابعة والخامسة ليست نقاط خلافية بشكل يغري بنقدها، ولا نريد الدخول في مناقشة فلسفية مع الدكتور لن تخدم القضية الرئيسية هنا وهي وجود إله.

السادسة يعترف فيها الدكتور ضمنيًا أن هناك بعض الظلم يقع على بعض الناس، ولكن لو نظرنا إلى الصورة بشكل أشمل لعرفنا أن الرواية لم تنتهي بعد، وأن العدل سيتحقق لا محالة، وهنا نسأله أليس عدل الله مطلق بحسب تصوره؟ أليس من إطلاق العدل أن يكون متحققًا في كل لحظة وبنفس القدر؟

النقطة السابعة غريبة قليلاً، فلا أعلم من أين أتى بتعريف الكمال، فالإنسان الذي يبتغي حياةً بلا شر لا يبحث عن الكمال، لأن الكمال يستوجب إطلاق القدرة، وهو ما لم يطلبه.

الثامنة أجيبه أننا بحسب مفهومه مِن صنع الله أيضًا، إذا الشر من عنده أيضًا.

وهناك أمر مهم في الفصل بمجمله، وهو أن مصطفى محمود يفترض أن الخير والشر هم من مقومات العالم التي لا غنى عنها ويبرر بعد ذلك مبينًا ضرورتهما، متناسيًا أن الله هو من وضع القانون من الأساس، فلا يمكن تبرير الشر إلا بأنه أراد صنعه، وإلا كان يمكنه بقدرته الكلية صنع عالم يخلو من الشر وطريقة للاختبار غير هذه، ربما لا نستطيع نحن تخيل ذلك ولكن كلية القدرة تعني إمكانه.

الفصل الرابع
(ما ذنب من يصله القرآن؟)
والمفارقة اللطيفة أننا نسأله عن ذنب من وصله القرآن وفهمه ووعاه ولم يجد فيه ما يدله على الله؟أنا لا أعرف سبب أن يثير د. مصطفى هذه القضايا مع ملحد، إلا إذا كان لديه كلمتين يود أن يقولهما واختار هذا القالب الكتابي قبل أن يكتب، فالملحد الذي يخاطبه وصله القرآن بالطبع، ولكنه لم يؤمن به، ألم يكن الأجدى أن يناقش القضايا الخلافية فيه وأظنه يعرفها جيدًا بدلاً من هذا التحاذق الغير مجدي، ونحن نعرف أن من لم يصله رسول في الإسلام فلا جناح عليه، وهو من أهل الفترة في العقيدة الإسلامية، فلمن يوجه هذا الكلام؟؟


الفصل الخامس
إضحك مع الفصل الخامس: (الجنة والنار)

في هذا الفصل يسأل الملحد سؤالاً خبيثًا لأول مرة، وهو: (كبف بعذبنا الرحمن الرحيم على ذنب محدود في الزمن بعذاب أبدي لامحدود، ومن نحن أمام عظمة الله كي ينتقم منا مثل هذا الانتقام؟)

ويرد الدكتور بالآتي:

1- نحن لسنا قلة أو شئ ليس ذو قيمة، فالإنسان أهم الكائنات في الوجود إذ نفخ الله فيه من روحه، ويؤكد أن فينا من روح الله.

2- الذنب ليس محدود بالزمن لأن الله يقول (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون) ، إذًا العذاب اللامحدود على ذنب لامحدود، فلو عاد الإنسان للأبد سيكرر نفس الخطأ.

ثم يذكر أشياء لا تهمنا من أن الرحمة بأهل النار أنهم سيعتادوها، وأنها توافق طباعهم، وأن العذاب حسي ومعنوي ولكن غير ما نتصور، فوصفه في القرآن كان مثلاً.

ونرد على النقطة الأولى بسؤال: بما أن فينا من روح الله يا دكتور، فكيف يعذب الله روحه؟؟

ونرد على النقطة الثانية بأن علم الله فقط لا يصلح أن يكون قرينة للتعذيب، وإلا لما كان اختبرنا من الأصل في الدنيا ولاكتفى بعلمه بما سنفعل، ولكنه بحسب الشيخ الشعراوي أراد أن ينقلنا لحالة التلبس بالفعل ليقيم علينا الحجة، ونفس السبب يستوجب أن يردنا في كل مرة وألا يكتفي بعلمه، وإلا كان اكتفى به من الأصل.



الفصل السادس
الفصل السادس اسمه (وحكاية الاسلام مع المرأة) ، وهو فصل طويل نوعًا ما، وبه الكثير من النقاط، وسؤال الملحد هذه المرة كان : ألا ترى معي أن موقف الإسلام من المرأة كان رجعيًا؟ مثلاً: تعدد الزوجات وإقامة المرأة بالبيت والحجاب والطلاق بيد الرجل والضرب والهجر في المضاجع وما ملكت أيمانكم والرجال قوامون على النساء ونصيب الرجل في الميراث ضعف المرأة.

ورد د. مصطفى انحصر في النقاط التالية:

1- إن وضع المرأة قبل الإسلام كان سيئًا للغاية، فالفتاة التي تولد مصيرها الوأد، والرجل كان يتزوج بالعشرة والعشرين، وكان الرجل يكره جواريه على البغاء ويقبض هو الثمن، فجاء الإسلام بالزواج من أربع تقييدًا لا تعديدًا، وأنقذها من العار والذل والموت والاستعباد.

2- الإسلام جعل من الإباحة رخصة شبه معطلة وذلك بأن وضع لها شرطًا يصعب تطبيقه وهو العدل مع النساء، وأخبرنا أننا لن نعدل ولو حرصنا فبقت الرخصة لمن هو أكثر من حريص كالأنبياء والأولياء ومن في دربهم.

3- الأمر بالبقاء في البيت خاص بنساء النبي باعتبارهن مثل أعلى وباعتبار هذا هو الوضع الأمثل للمرأة، ولم يمنع الإسلام المرأة من الخروج للمقتضيات والعمل ومشاركة الزوج في الكفاح، ولكن لك أن تتخيل أمة نساءها في البيوت لرعاية الأبناء أفضل حالاً أم أمة نساءها في الشوارع وأبناءها في الملاجئ.

4- الحجاب لصالح المرأة، لأن الممنوع مرغوب، وستر مواطن الفتنة يزيد الشوق، والقبائل البدائية العارية بها فتور جنسي والرجل يعاشر امرأته مرة في الشهر، كذلك على شواطئ العراة تفقد الأجسام جاذبيتها.

5- الطلاق حق للمرأة أيضًا، فيمكنها الحصول عليه في المحكمة إذا أبدت أسباب كافية، ومن حق المرأة الاحتفاظ بعصمتها في عقد الزواج فيكون لها حق الطلاق مثلها مثل الرجل.

6- الإسلام يعطي المرأة حقوقًا أكثر من الغرب، في الإسلام تأخذ المرأة مهر وفي الغرب تدفع دوطة، في الإسلام تحتفظ بذمتها المالية المستقلة وحرية التصرف في أموالها، وفي الغرب يكون زوجها هو القيم على أموالها.

7- الضرب والهجر في المضاجع للمرأة الناشز فقط، أما السوية فلها الاحترام والتقدير، وهذا يتفق مع أحدث ما وصل إليه علم النفس الحديث، فالماسوشية هي الحالة المرضية التي تتلذذ فيها المرأة بالخضوع والضرب والتعذيب، والسادية هي الحالة التي تتلذذ فيها المرأة بالتسيد والسيطرة، في الحالة الأولى يكون الضرب هو العلاج والحل الوحيد، وفي الثانية يكون العلاج بانتزاع شوكتها وذلك لا يتأتى إلا بكسر سلاحها وهو أنثوتها بالهجر في المضجع.

8- بالنسبة لملك اليمين فالإسلام هو الدين الوحيد الذي دعا إلى تصفية الرق، وبولس أوصى العبيد لطاعة سادتهم كما الرب، وفي اليهودية كذلك، فكانت الأديان توصي بطاعة العبيد لأسيادهم، فجاء الإسلام كأول دين يتكلم عن فك الرقاب.

9- لم يأمر الإسلام بإلغاء الرق لأن الرقيق وهم مئات الآلاف لو تم تسريحهم فجأة بلا عمل ولا مأوى لكانت كارثة أكبر من الرق، ولجالوا في الطرقات يتسولون الطعام، ولكنه أقفل باب الاسترقاق الذي كان الأسر، ومنع استرقاق الأسرى (فإما منا بعد وإما فداء) ثم حض على فك الرقاب وبهذا ينتهي الرق بالتدريج، وحتى تأتي هذه النهاية أباح للسيد معاشرة ما ملكت يمينه، كما أنه جعل من العبد أخًا وحض على حسن معاملته.

10- الرجال قوامون على النساء في كل بقاع الأرض، وهذه حقيقة ثابتة، حتى في موسكو الملحدة الحكام رجال، والرجال أكثر تفوقًا في كل المجالات حتى ما تخص المرأة كالموضة وغيرها، وهذه ظاهرة عامة لا دخل للإسلام فيها.

11- النقطة السابقة تبين لماذا أعطى الإسلام للرجل ضعف المرأة في الميراث، لأنه هو الذي ينفق، وهو الذي يعول، وهو الذي يعمل، فموقف الإسلام موقف عادل.

12- كانت سيرة النبي مع نساءه المحبة والعدل، بل وقوله (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) يدل على مكانتها إذ قرنها بالطيب والصلاة، وآخر خطبة له أوصى فيها بالنساء.


هذه هي مجمل النقاط التي وردت في هذا الفصل، ولأول مرة منذ بدأنا قراءة الكتاب نتفق مع الدكتور على بعض الأمور، وهذا سيتضح من ردودنا على النقاط بالترتيب:

1- لا شك أن الوأد كان موجودًا قبل الإسلام، ولكن نعتقد أنه كان نادرًا للغاية، وأن المسلمين هولوا من أمره كثيرًا، وإلا فكيف يذكر الدكتور أن الأنثى التي تولد مصيرها الوأد، ثم يذكر أن الرجال كانوا يتزوجون بالعشرة والعشرين؟ من أين أتت كل تلك النساء التي تسمح بهذا التعدد الغير عادي؟ فإما أنه أخطأ في مسألة الوأد كظاهرة، أو في مسألة التعدد كظاهرة، ونظنه أخطأ في الاثنتين، فنحن لا نعرف من قريش من كان يئد بناته غير ابن الخطاب، وربما كانت هذه الظاهرة أكثر انتشارًا بين الأعراب والبدو لقسوة حياتهم واعتبار المرأة ثقل يضاف إلى أحمالهم ولا تغزو مثل الرجل، وبالنسبة للتعدد فيبدو أنه كان أمرًا شائعًا أن يتزوج الرجل من امرأة واحدة فقط، وأن التعدد كان استثناء، وأعني في قريش وليس في يثرب أو الطائف، والدليل أن محمد نفسه لم يكن معددًا حوالي ربع قرن، كذلك أبو سفيان بن حرب، وقد تتبعت مهاجري الحبشة ولم أجد منهم من هاجر بزوجتين، فكلهم هاجروا بزوجة واحدة، وليس من المعقول أن يترك الهارب من الاضطهاد بعض أهله.
بالنسبة لإكراه الرجل جواريه على البغاء فهذا حقيقي، ويبدو أنه لم يكن أمرًا مشينًا أيضًا، ولكن كيف عرفنا هذه المعلومة؟ من آية (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا،ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) النور 33 ، وبالرجوع لأسباب النزول وجل التفاسير لهذه الآية نجد الآتي: أن عبدالله بن أبي بن سلول كانت له جارية أو أكثر وكان يكرههن على البغاء، فقالت له الجارية يومًا إن كان خيرًا فقد استكثرت منه وإن كان شرًا فلا أريده، فضربها ليكرهها على أن تزني، فشكت لأبي بكر فأخذها للرسول فأمر بقبضها، فقال ابن سلول: من يعذرنا في محمد؟ يغلبنا على مملوكتنا، فنزلت هذه الآية، وما لم يخبرنا عنه الدكتور هو كيف حمى الإسلام الجواري المكرهات؟ صحيح أنهن لا جناح عليهن لأنهن مكرهات، ولكن ما عقوبة من يكرههن؟ وكيف عاقب محمد ابن سلول؟ وهل حمى الجارية أم صبرها بأن الله غفر لها؟

2- أوافقه على هذا الكلام، فالمفهوم من الآية هو منع التعدد لأن النص نفسه نفى إمكانية العدل حتى مع الحرص، ولكن هل هذا رأي علماء الإسلام؟ وهل هذا هو الواقع التشريعي في البلاد الإسلامية؟

3- صحيح أن الأمر بالبقاء في البيوت هو لنساء محمد، ولكن نرى الدكتور يذكر أن هذا هو الوضع الأمثل، ويتسائل هل هذا أفضل للأمة أم أن تكون النساء في الشوارع والأطفال في الملاجئ، ونذكره هنا بأن الدول الغربية أحسن منا حالاً وأطفالهم أفضل صحة وأكثر سعادة، بالرغم من أن أمهاتهم تعملن، فما هو الأفضلية التي يراها في مصر عن ألمانيا أو السويد أو حتى الصين؟

4- هذا الكلام مرسل، فشهرة الرجل الأفريقي في الغرب أنه الأقوى جنسيًا والأعلى شهوةً، ولكن من طالب بالعري؟ ألا يرى الدكتور غير طرفي النقيض، إما خيمة أو بكيني؟ ما مشكلة الملبس العصري الأيسر للحركة والأخف على البدن؟ وهل معنى كشف الشعر أو لبس الجينز أن النساء تعرين؟ إن هذا المفهوم يدل على عقلية الرجل الشرقي الذي لا يفكر إلا في الجنس، ولا يرى في المرأة إلا أداة تفريخ وتربية، ويراها ملكية خاصة يجب صيانتها وحفظها بعيدًا عن أعين الآخرين الذين لا يفكرون إلا في الجنس أيضًا.

5- نعم الطلاق حق للمرأة في المحكمة إذا أبدت أسباب كافية، ولكنه حق للرجل بدون إبداء أسباب، ربما مل، أو أراد تبديل زوجة رابعة بأخرى، بمزاجه يعني، أما هي فوضعت لها شروط ومحددات وأطر

6- طبعًا هذا تدليس، فبحسب معلوماتي وأنا أعيش في دولة أوروبية أن الرجل يهدي الزوجة خاتمًا تكون قيمته بحسب إمكاناته (شبكة) والمهر هدية العروس وهو نفس مفهوم هذا الخاتم، وبالنسبة لأن الرجل يكون قيمًا على أموال المرأة فغير صحيح أيضًا، فالذمة المالية للطرفين تكون مشتركة، لذلك إن أرادا الطلاق يقتسمان ثروتيهما بغض النظر عن الأكثر أو الأقل، فهم يعاملون الأسرة كوحدة اقتصادية لا تنفصل، وأنا لا أدافع عن هذا الشكل، بل أؤيد انفصال الذمة المالية، ولكني أردت ذكر ما عليه الواقع.

7- هذه الفقرة تحفة، فهو لا يخبرنا عن الرجل الناشز، وكأن النشوز في المرأة فقط، وهل تضرب المرأة زوجها الناشز تأديبًا؟ ثم يغالط بشكل فاضح عندما يجعل الماسوشية والسادية أمراض نسائية فقط، مع أنها عامة، والأدهى أنه يرى علاج الماسوشية بإرضاء رغبتها ولكن علاج السادية بكسر هذه الرغبة، لماذا؟ الدكتور أعلم، ولا يكتفي بهذه المهزلة بل يقول أن الآية اختصرت ما أتى في مجلدات من أبحاث علم النفس، يا سلام.

8- وهل الإجراءات التي يزعم الدكتور أن الإسلام اتخذها لتصفية الرق أتت أكلها؟ الرق بقي في جنوب مصر وفي السودان حتى مطلع القرن العشرين، وبقي في السعودية حتى أول الستينيات، ولم يلغى إلا بعد محاربة العالم الأول له، وموريتانيا بها استرقاق حتى الآن، فعن أي تصفية يتحدث الدكتور، ثم يقول أن المسيحية دعت العبيد لطاعة أسيادهم بشكل أعمى وكذلك اليهودية، وينكر عليهم ذلك، في حين أن محمد يقول (أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم) ويقول (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة) فسوى بين الكفر وبين هروب العبد، كما يقول (إذا تزوج العبد بغير إذن سيده جلد الحد وفرق بينهما ورد المهر إلى مولاه وعزر الشهود الذين زوجوه) وكل الأحاديث التي ذكرتها إسنادها صحيح، الأول والثاني في صحيح مسلم، والثالث في المحلى لابن حزم.

9- لا أعرف من أين أتى الدكتور بأن العبيد كانوا بمئات الآلاف!! وعلى أية حال فحجته فاسدة، فمن اشترى هؤلاء العبيد اشتراهم لقضاء حاجاته، ولو حرروا لبقت هذه الحاجات غير مقضية، ولاستأجرهم أصحاب هذه الحاجات كما هو الحال الآن، كما أن الدولة بعد محمد وبسبب التوسع وغزو بلاد كثير تضخمت مواردها، وكان من الممكن إنشاء مشروعات تستوعب كل العبيد المحررين.
المسألة الثانية هي ادعاء الدكتور أن الآية الي ذكرها عن المن أو الفداء تعني غلق باب الاسترقاق، ولا أعرف من أين أتى بهذا التفسير، فالرأي الفقهي أن الإمام مخير بين المن عليه أو فداءه بمال أو قتله أو استرقاقه، وقد ذكر ابن كثير هذا في تفسيره للآية وهي أية 4 سورة محمد، وهذا ما اتفق عليه الفقهاء، وبعض العلماء قالوا بأن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولكن هذا لا يهمنا هنا، المهم أن فقهاء الإسلام لم يروا أن الآية منعت الاسترقاق، ولنا سؤال فقهي هنا، هل لابد أن يسأل المسلم عن مصدر العبد قبل شراءه؟ طبعًا لا، لذا فالحسبة كانت خاطئة ولم يصفى الرق بالإجراءات الإسلامية، وبقي في ازدياد حتى حررهم الغرب الكافر.
وبالنسبة لمعاشرة الرجل جاريته نسأله، وإن رفضت معاشرته؟ هل يحق لها الرفض؟

10- نعم الرجال قوامون على النساء لأسباب ليس للإسلام علاقة بها، بل هي مسألة ترجع لتحليلات أنثربولوجية معقدة ليس هذا مكانها، وهذا التفوق نتيجة استئثار الرجل بالعمل وسيطرته على المرأة وقهرها لأكثر من خمسة آلاف سنة متواصلة، ولكن العالم يحارب هذا الآن، والحرب تثمر، فنرى مستشارة لألمانيا ورئيسة هنا ووزيرة هناك، وعالمات وأدبيات ورائدات فضاء، ولكن السؤال هو لماذا لم يحارب الإسلام هذه الظاهرة كما حارب ظواهر أخرى بدلاً من تسجيلها وإقرارها؟؟

11- فعلاً موقف الإسلام في مجتمع مكة كان موقفًا عادلاً، فالرجل هو الذي ينفق، ولا يحق له التعدي على مال زوجته، ولو سوى بينهما المشرع لكان ظلمًا للرجل، ولكن هل تغير موقف الإسلام بتغير الواقع؟ الآن في الدول الأوروبية مثلاً من الصعب أن تعيش الأسرة في مستوى جيد بدون عمل الأبوين، وهما ينفقان سويًا، فهل يوافق الإسلام في هذه الحالة على التسوية بين الذكر والأنثى؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟

12- محمد ومن سيرته كان رجلاً رفيقًا بزوجاته، ولكنه ومن سيرته أيضًا لم يكن عادلاً معهن مائة بالمائة، فعندما اشتكت زوجاته أن الناس عندما علموا بحبه الزائد لعائشة صاروا يؤجلون هداياهم له ليوم عائشة أو يوميها لأن سودة أعطتها يومها خشية أن يطلقها محمد، ماذا كان موقف محمد عندما اشتكت الزوجات، غضب لعائشة، بدلاً من أن يعدل في قسمة الهدايا بينهن، المهم فدليله الآخر أنه قرن النساء بالطيب والصلاة دليلاً على قيمتهن الكبيرة نرد عليه بإهداءه هذا الحديث: (... فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود...) في صحيح مسلم!!!!
ثم يذكر توصيته بالنساء في آخر خطبه، وهو يقصد خطبة حجة الوداع، وهذا صحيح فقد أوصى محمد بالنساء لأنهن وحسب تعبيره (إنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا) فأي تكريم في التوصية بهن كما نوصي بالعجماء؟



الفصل السابع

الفصل السابع (هل الدين أفيون...؟)

يسأل الملحد الدكتور عن رأيه فيمن يدعون أن الدين أفيون، وأنه يخدر الفقراء والمظلومين ليناموا على ظلمهم وفقرهم، وما رأيك فيمن يقولون أن الدين لم ينزل من عند الله وأنه ظهر بسبب الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحًا لطبقة على طبقة.

ويبدأ الدكتور رده موضحًا أن الملحد يشير بسؤاله إلى أفكار الماديين، وقبل أن أعرض رد الدكتور في نقاط وأرد عليها أود توضيح ما ذكرته مسبقًا من أن الدكتور بعيد كل البعد عن فهم الماركسية، وأعتقد أنه استقى معلوماته عنها من نقد الرأسماليين لها ولم يقرأ أي من أدبياتها، لماذا نظن ذلك؟

أولاً الجملة التي أوردها الدكتور على لسان الملحد أن الدين أفيون هي جملة لكارل ماركس، وهي مبتورة من سياقها، فالجملة كاملة تقول (الدين قلبٌ في عالم لا قلب له، وروحٌ في عالم لا روح له، إنه حقًا أفيون الشعوب) ، وعندما قرأت هذه الجملة لأول مرة لم أفهم هل يمتدح ماركس بها الدين أم يذمه، حتى قرأت كتاب وضعية الدين عند ماركس وإنجلز، ولم يحدث أن قال أيهما أن الدين ظهر من أجل سيطرة طبقة على طبقة، كما لم يذكرا أبدًا أن المشكلة في الدين، بل إن رأيهما –أو بالأحرى رأي إنجلز إذ لم يكتب ماركس في الأنثربولوجي- أن الدين ظاهرة اجتماعية نشأت نتيجة احتياج الإنسان لتفسير العالم، وقد استغلت الرأسمالية الدين للترويج لأفكار ترسخ لوضعها، والدين ولأنه نتيجة وعرض فسيزول بزوال مسبباته، هذا هو رأي إنجلز باختصار، وفي خلال معارك ماركس التي خاضها سواء لتخفيض عدد ساعات العمل من 16 ساعة إلى 12 أو من أجل تأسيس اتحادات ونقابات للعمال أو من أجل إنجاح المؤتمر الشيوعي وإعداد البيان لم أعرف أبدًا أنه حارب الدين، ولكنه تعرض لأكبر حملة تشويه في التاريخ الحديث، ونجاح هذه الحملة يرجع لصعوبة فهم كتابات ماركس الأصلية، فتجد الناس يبنون أراءهم حوله من كتابات غيره، وعودًا لموضوع الدكتور نصحح لملحده أن ماركس لم ير أن الدين نشأ لتستغل طبقة طبقة أخرى، وإنما يرى أن الرأسمالية تستغل الدين لتخدير شعوبها، كما تستغل وسائل الإعلام لتخديرهم، كما تستغل الكثير من الأدوات المتاحة لتخديرهم، وهو هنا لم يكن يقدح في الدين، ولكن أغلب الناس يخلطون بين إلحاد ماركس ونظريته الاقتصادية أو الديالكتيك الماركسي.

النقطة الثانية قبل أن نشرع في الرد هي إشارة الدكتور أن هذه هي أفكار الماديين، ولا أعرف هل تعمد هذه الكلمة وهو يعلم أن الماديين كثر وأن أفكارهم حول كل شئ متباينة؟ أم أنه يظن أن الماديين هم الشيوعيين؟ فالماديون منهم هيجل المؤمن، ومنهم الوجوديين الذين لم يذكروا الطبقية واستغلالها مطلقًا، ومنهم أتباع مدرسة فرانكفورت (ماركوزي وإريك فروم) ومنهم الشكلانيين ومنهم التفكيكيين ومنهم الفوضويين ومنهم الاشتراكيين الرومانسيين ومنهم فيورباخ صاحب المادية الميكانيكية ومنهم الاشتراكيين العلميين ومنهم .....

رد الدكتور تلخص في النقاط التالية:

1- الدين أعباء وتكاليف وليس تخفيف وتحلل، وبالتالي ليس مهربًا من المسئوليات، كما أن الدين الإسلامي توكل وليس تواكل.

2- آكل الأفيون هو المادي الذي ينكر الدين هربًا من تبعاته.

3- الإسلام لم يجئ كسلاح لطبقة على طبقة، بل جاء ثورة على الأغنياء والكانزين المال والمستغلين، وأمر بالإنفاق الإجباري (2.50%) والاختياري الغير محدود.

4- التفاوت بين الناس حقيقية جوهرية ولم تستطع الشيوعية القضاء عليه، فالمساواة غير ممكنة، فكيف نساوي بين غير متساويين.

5- الغنى والفقر امتحان وفتنة.

6- الإسلام أتى بأكثر التشريعات تقدمية، فالإنسان في الإسلام يساوي الناس جميعًا ( ومن قتل نفسًا بغير نفس...)

7- الرأسمالية أعطت الإنسان حق مطلق في الكسب، والشيوعية منعته تمامًا، وجاء الإسلام وسطًا، فجعله يكسب كما يشاء على أن يخرج نصيب الفقراء من ماله (2.50%) على الأقل.

8- لم يقيد الله الناس بدستور سياسي محدد لعلمه أن الظروف تتغير.

9- الإسلام أمر بالبحث العلمي في كل العلوم (قل سيروا في الأرض..)

10- ليس صحيح أن المسلمين تخلفوا بالدين، بل تخلفوا بهجر أوامر الدين.


ونرد على الدكتور مصطفى بالآتي:

1- صحيح أن الدين أعباء وتكاليف، ولكن من قال أن الأعباء هي اليقظة، يبدو أن الدكتور لم يفهم المثال جيدًا، فالدين أفيون الشعوب لا تعني أنه يجعلهم مساطيل يتطوحون، وإنما يستغله البعض ليلههم به عن التفكير في حالهم وتغييره، مثلاً الحكومة المصرية حريصة على إلهاء الشعب باللهاث وراء لقمة العيش، حيث لا يتبقى وقت للتفكر والتوحد والتغيير، فالرجل يخرج صباحًا ليرجع مكدودًا من عناء يومه ليسترح قليلاً ثم يعاود الكفاح من أجل حياة كريمة لأسرته، لا وقت إطلاقًا لغير هذا، حتى أن الشعب المصري عندما يرى تظاهرة يعتبرها ترفيهًا وفضا، إذًا يمكن استغلال تكليف الشخص بالكثير من الأعباء بغية إلهاءه (تخديره) عن أشياء أخرى.

2- هذه التهمة الجاهزة غريبة جدًا، فما هي صعوبة تكاليف الدين ليهرب منها الشخص مضحيًا بحياته الأبدية؟ إن تكاليف الدين وقد اعتدناها لا تمثل ثقلاً، وإنما الدين يمثل أملاً لحياة هانئة مستريحة، والخروج عن الدين هو الخروج عن الصف والسير في المجهول، إنه في رأينا أصعب بكثير أن تقف وحيدًا بلا إله يغفر أخطاءك ويدخلك جنات الخلد.

3- الإسلام لم يبدأ كسلاح لطبقة على طبقة، ولكن تم استغلاله بعد ذلك للتكريس للحكم، ومن بعد موت محمد مباشرة والمشاكل على الحكم قد بدأت، من أول حادثة سقيفة بني سعد، حتى استئثار عثمان لبني أمية بكل المناصب مما كان فيه مقتله، ثم التكريس للحكم الأموي فالعباسي ... ولكل دولة شيوخها ومذاهبها التي كرست لها.

4- وهنا يتضح جليًا جهل الدكتور بالشيوعية، فالشيوعية لم تقل أبدًا بالمساواة في الربح مقابل العمل، ولكنها قالت بعدم حرية الفرد في تملك أدوات إنتاج تحتاج لتشغيل غيره، لماذا؟ لأن السلعة تساوي قيمة العمل المبذول فيها فقط، وهذا يعني أن صاحب أداة الإنتاج سيستولي على جزء من أرباح العامل على هذه الأداة، وهذا ليس بموضوعنا الآن، ولكن الشيوعية لا تمنع الفرد من تملك قصرًا ومسابح وخيول وسيارات وكل ما أمكنه كسبه من نتاج عمله، سوى أدوات الإنتاج، وهذا ليس ببعيد عن الإسلام، فعمر بن الخطاب مثلاً منع الكثير من الصحابة عن تملك أراضي في البلدان المفتوحة، وهذا لمصلحة الدولة، إذًا الإسلام يوافق الشيوعية في جواز اتخاذ إجراءات اقتصادية تحد من الحرية لصالح المجموع، والغريب أن نغمة مهاجمة الشيوعية لم تظهر في مصر إلا في حقبة السبعينيات، وقبل ذلك كان الكتاب الإسلاميون يرون أن معركة الإسلام مع الرأسمالية وأنه متقارب مع الشيوعية في الكثير من الأفكار (أنظر معالم في الطريق لسيد قطب ص 53 ، ومقدمة الفتنة الكبرى لطه حسين طبعة دار المعارف) ، والمشكلة تكمن في الخلط بين التجربة الروسية والنظرية الشيوعية، ولا أعلم لماذا عندما يتحدث الإسلاميون عن أخطاء الدول الإسلامية السابقة يكون الخطأ في التطبيق، وعندما نتحدث عن روسيا يكون الخطأ في النظرية.

5- هذه جملة تقال لمؤمن، وهذا ما يجعلنا نرى أن ملحد الدكتور الذي هو مرآة نفسه لم يكن ملحدًا أبدًا، وإنما كان مسلمًا غير ملتزم ولديه شكوك حول الدين الإسلامي.

6- طبعًا حذف الدكتور الجزء ألأول من الآية وهو (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ..) ليوافق ما ذهب إليه، وفي تفسير ابن كثير نجد ابن عباس يخصص هذه الآية لقتل النبي أو الإمام العادل، وسعيد بن جبير يرى أنها للمسلم فقط، وجمهور العلماء أنه كانما قتل الناس جميعًا في القصاص، فحده القتل في الحالين.

7- الرأسمالية لم تعطي حق مطلق في الكسب، فهي تمنع الإغراق والاحتكار وتفرض الضرائب التي تصل إلى نصف الربح، والاشتراكية لم تمنعه تمامًا كما أسلفنا وإنما منعت تملك أدوات الإنتاج، والإسلام لم يعطي للفقراء 2.50% من الأرباح، وإنما على ما حال عليه الحول، أي لو كانت دورة التجارة أقل من الحول لا تجب عليها زكاة عروض التجارة، وهناك حالات تصل فيها الزكاة إلى 20%، ولكن إذا حال عليها الحول هذا شرط يخرج الكثير من الرأسماليين من إجبارية الفريضة.

8- هذه تحسب للإسلام عن الكثير من الأديان، وفي رأيي أنها مكمن قوته لو استغلها المسلمون جيدًا، فهو -نتيجة للشكل الأدبي لدستوره- الدين صاحب النصوص الأكثر مرونة وقابلية للتأويل.

9- هذا صحيح، والمشكلة لا تكمن في الأوامر المباشرة، ولكن تكمن وراء التكريس لمفاهيم بعينها، ونعتقد أن المذهب السني قد كرس لمفاهيم تؤدي للتواكل وتحض على العزوف عن البحث العلمي، ولي خاطرة أخرى خطرت في هذه النقطة، يبدو أن الدكتور يؤمن في التطور، فهل هذا صحيح؟ لقد سبق أن سمعته يقول في إحدى حلقاته من العلم والإيمان عن البرغوث أنه: كان يطير ولكنه فقد هذه القدرة أثناء مسيرته التطورية فعوضه الله بالقدرة على القفز، فهل صحيح أن الدكتور يؤيد التطور؟؟

10- نريد أمثلة، أي حقب التقدم كانت نتيجة التمسك بالدين؟ وأيها كانت نتيجة الابتعاد عنه؟ العصر العباسي أكثر العصور الإسلامية تقدمًا لم يكن أكثرها تمسكًا بالدين بكل تأكيد، لذا نرجو ممن يعلم تقديم أمثلة.
الكاتب : شيزوفرانيا
المصدر: منتدى الملحدين العرب

9 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها