محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..

14‏/05‏/2007

تكوين 1 بين العلم و الاساطير

تكوين 1 بين العلم و الاساطير
بقلم العزاء الصوفي
لوحة للفنان مايكل انجيلو تصور يهوه اثناء خلقه للشمس والنجوم
ساحاول فى هذه المقالة الوقوف على بعض نقاط الاختلاف الهامة بين نظرة الفكر اليهودي القديم لخلق العالم من جهة و دلالات تلك الافكار عن معتقدات اليهود القديمة و تاثير الحضارات الوثنية المجاورة عليها و بين العلم الحديث من جهة اخرى . تعليقي هنا سيكون عن الاصحاح الاول من سفر التكوين التوراتي تحديدا

1 في البدء خلق الله السموات والارض.

فى البدء كلمة الله فى الاصول العبرية هى "ايلوهيم" و هي تعني حرفيا "الذين اتوا من فوق" هذا التعبير دفع بعض المفكرين الى الاعتقاد بان اليهود القدامى اعتقدوا بوجود الهة متعددة مع الاحتفاظ بحق العبادة ليهوه وحده و من هنا كانت الوصية الاولى لموسى :
"لا يكن لك آلهة اخرى امامي." وليس لا يوجد اله غيري. و هذا الموقف يسمى الايمان بالهة كثيرة مع عبادة اله واحد فقطHenotheism وليس توحيداً تاما Monotheism

تؤكد الاية ايضا اعتقاد اليهود، كغيرهم من الامم بان السماء و الارض هما حجر الاساس للكون , بمعنى ان اول شىء يجب ان يخلق هما السماء و الارض كما تؤكد ظن اليهود بان السماء و الارض مفاهيم لا دخل للكواكب بها فلم يكن عندهم ادنى فكرة ان السماء ليست شيئا موجودا اصلا و ان الارض مجرد كوكب .

و لكن اخطر ما فى هذه الاية هى تجاهل مفهوم الزمان و المكان و قد لاحظ العالم بول ديفيز هذه النقطة و اشار اليها فى كتابة "المفهوم الحديث للمكان و الزمان" قائلا :
"المكان و الزمان ذاتيهما يعتبرهما علماء الفيزياء اثنين من الكيانات الطبيعية. و توضح نظرية اينشتاين للنسبية العامة كيف ان حدثى ظهور المادة وتبددها الانفجاريين يجريان على "حافة" المكان-الزمان . و اذا كان الكون قد نشا منذ عشرة بلايين سنة بالفعل، وليس منذ زمن غير محدود، فهذا يعنى ان المكان-الزمان قد بعث ايضا الى الوجود فى التوقيت ذاته. و تعد الفذاذة الاولى بالفعل حدثا بلا سبب مسبق حيث لك يكن قبلهما مكان او زمان _ولا اي شىء مادي على الاطلاق- ليحتوى هذا السبب . و ان يتخيل المرء وجود اله فى مرحلة تسبق نشأة الكون، و ان يكون هناك ما يحرضه على صنع الكون، لهو شيء مضلل و ناجم عن خلع الصفات البشرية على الآلهة."

و من كلام ديفيز يتضح ان التوراة قد وضعت يهوه دون قصد داخل منظومة الزمكان نفسها من دون الانتباه للعقبات الوخيمة المبنية على هذا الافتراض.

2 وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه

اهمية هذه الاية لا تقل عن سابقتها، ربما يجدر اولا الاشارة للتناقض الصارخ بينها و بين العلم الحديث القائل بنشأة الارض ككتلة بالغة الحرارة لا تسمح بتكون اي ماء ووضع عدة نظريات لتفسير اصل الماء ربما اشهرها نظرية سقوط مذنبات التى تحتوى على كتل هائلة من الجليد.
اما الاهمية الحقيقية للاية فلا تكمن فى اختلافها مع العلم , بل فى تاثرها بالفكر الوثنى فى "الفوضى الاولى" و تاثيرها على الاسلام فى فكرة الـ"مستوى على العرش" . كانت عدة اديان وثنية تتحدث عن صراعات بين الالهة قبل خلق الانسان و عن الفوضى التى سادت الارض كنتيجة لهذه الصراعات , ربما اشهرها الاساطير اليونانية عن صراع زيوس مع ابيه . و فى النص التوراتي تشابه مريب مع الاساطير الوثنية. بل ان ملحمة الخلق البابلية المعروفة بالاينوما ايليش تتفق مع التوراة بشكل مثير للاهتمام و الدهشة , و قد اضفت فى المراجع موضوعا صغيرا يتناول بعض نقاط التشابه.

3 وقال الله ليكن نور فكان نور

هنا نرى التوراة تفترض ان الاصل هو الظلمة و ان النور هو رمز الحياة و بالتالى فلقد كان خلقه واجبا. ربما يتسائل البعض عما يعنيه خلق النور , فالتوراة لم تدع يهوه يخلق شمسا حتى الان فكيف يكون نور, ام انه نور بلا مصدر, نور بذاته ؟
لن نهتم كثيرا بمصدر النور لكننا سنعود لبول ديفيز حيث يقول:
"لقد ابتعد العلم كثيرا عن المفهوم التوراتي لنشأة الكون. فالتوراة تقول ان الضوء و الدفء , التنظيم و الحياة, كلها ظواهر انبثقت من الظلام و العدم وان الكون عمل من صنع الله تلبية لتحريض مسبق لبناء كيان فى مكان و زمان موجودين من قبل و لكن بلا اهمية . اما المفهوم العلمي الحديث فهو على النقيض تماما, حيث يفيد بان الكون بدا بضوء مبهر و حرارة لافحة ثم انخفضت حرارته و حل فيه الظلام . و ازاء النص التوراتي القائل "ليكن نور" اتى الرد العلمى قائلا "ليكن ظلام!" وذلك لانه لا مجال للاستفادة من الطاقة الكامنة فى الشمس من اجل قيام حياة على الارض الا في ظل كون مظلم و بارد"

4 وراى الله النور انه حسن.وفصل الله بين النور والظلمة
فى هذه الاية تعبير ان الله لم يكن يعلم مسبقا ان النور سيكون حسنا لكنه تاكد من ظنونه بعدما رآه امامه امرا واقعا و فى ذلك تاكيد لكثير من العبارات التوراتية التى توحى بان الله ليس مطلق القدرات , بعكس الايات التى اتت بعد السبي البابلي لليهود وفى كل ذلك اشارات لتطور فكرة الله فى اليهودية مرورا باحداث تاريخية فاصلة فى تاريخ الشعب العبري .

اما مسالة فصل النور من الظلمة فتاتي صدا لمزيد من الاعتقادات الوثنية المجاورة

6 وقال الله ليكن جلد في وسط المياه.وليكن فاصلا بين مياه ومياه.
7 فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد.وكان كذلك.
8 ودعا الله الجلد سماء.وكان مساء وكان صباح يوما ثانيا

هنا تاتي اكثر الايات مرحا! فهى تدلنا على سبب لون السماء بالازرق! اليهود القدامة كانوا يعتقدون اننا نعيش تحت "قبة" فوقها مياه و ان ذلك هو سبب لون السماء الجميل!

يجدر الاشارة الى ان لون السماء الازرق ينتج عن اشعة ضوء مستقطبة بسبب الغلاف الجوي.

9 وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء الى مكان واحد ولتظهر اليابسة.وكان كذلك.
10 ودعا الله اليابسة ارضا.ومجتمع المياه دعاه بحارا.ورأى الله ذلك انه حسن.

اشرنا سابقا الى ان الاصل فى الارض بحسب العلم الحديث كان اليابسة و ليس البحر.

11 وقال الله لتنبت الارض عشبا وبقلا يبزر بزرا وشجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الارض.وكان كذلك.
12 فاخرجت الارض عشبا وبقلا يبزر بزرا كجنسه وشجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه.ورأى الله ذلك انه حسن.
13 وكان مساء وكان صباح يوما ثالثا

قبل ان نعلق على خلق النباتات يجدر الاشارة الى ان التوراة, لم تتحدث عن خلق الله للملائكة او للشياطين او لأى مخلوقات ماورائية و في ذلك دعم للمعتقد القائل بان اليهود القدامى لم يؤمنوا بهذه الاشياء. و ان كنا نرى اشارة مبهمة فى اول ايات الاصحاح الثاني حيث تقول التوراة :
"فأكملت السموات والارض وكل جندها." و قد يجادل البعض ان الجنود هم الملائكة لكن خلق الملائكة فى نظري كان اهم من ان يتم الاشارة له باسلوب مستتر هكذا.

كما يجدر الاشارة الى ان التوراة لم تتحدث عن خلق الفيروسات او الباكتيريا او اى كائنات مجهرية اكتشفت حديثا و فى ذلك اشارة صريحة لبشرية مصدرها.
اما بالنسبة لخلق النباتات فنلاحظ انها ذكرت فى زمن مخالف تماما لزمن ظهورها, فالاعشاب (النجيلة) مثلا ظهرت فقط منذ 35 مليون عام, اى بعد انقراض الديناصورات منذ 65 مليون عام و لذلك ياخذ العلماء على بعض المخرجين تصويرهم للديناصورات وهى تسير على الاعشاب فى الافلام!

و النباتات فى بعض الاحيان تحتاج للحيوانات , و لا ادل على ذلك من النباتات اكلة الحشرات. و هي تدل على التطور المتوازى للحياة نباتية كانت ام حيوانية على الارض . و ساقوم لاحقا بذكر الترتيب العلمي المبني على السجل الحفري لظهور الكائنات.

14 وقال الله لتكن انوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل.وتكون لآيات واوقات وايام وسنين.
15 وتكون انوارا في جلد السماء لتنير على الارض.وكان كذلك.
16 فعمل الله النورين العظيمين.النور الاكبر لحكم النهار والنور الاصغر لحكم الليل.والنجوم.
17 وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الارض
18 ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور والظلمة.ورأى الله ذلك انه حسن.
19 وكان مساء وكان صباح يوما رابعا

نلاحظ فصل التوراة الساذج بين النجوم و الشمس فى هذه الايات, بالرغم من ان الشمس نجما متوسط الحجم, و بالتالي متوسط العمر, لا اكثر ولا اقل. كما ان الشمس نجم فى احد ازرع احدى المجرات اللولبية, لا يوجد فيها اي شيء مميز او مثير للاهتمام عن بلايين النجوم الاخرى.

ونلاحظ ان النباتات خلقت قبل الشمس و بالتالي يلح علينا التساؤل عن كيفية حدوث التمثيل الضوئي فيها الى ان اتت الشمس الحبيبة , و عندما سالت رابيناً فى هذه النقطة قال لى "يا جاهل! النور خُلِقَ قبل الشمس!"

و بالتاكيد لا ننتظر من التوراة الحديث عن خلق المذنبات او النجوم النيوترونية او الثقوب السوداء ! بل انها لم تتكلم حتى عن خلق كواكب اخرى , دع عنك اقمارها ....

20 وقال الله لتفض المياه زحافات ذات نفس حية وليطر طير فوق الارض على وجه جلد السماء.
21 فخلق الله التنانين العظام وكل ذوات الانفس الحية الدبّابة التي فاضت بها المياه كاجناسها وكل طائر ذي جناح كجنسه.ورأى الله ذلك انه حسن.
22 وباركها الله قائلا اثمري واكثري واملإي المياه في البحار.وليكثر الطير على الارض.
23 وكان مساء وكان صباح يوما خامسا
24 وقال الله لتخرج الارض ذوات انفس حية كجنسها.بهائم ودبابات ووحوش ارض كاجناسها.وكان كذلك.
25 فعمل الله وحوش الارض كاجناسها والبهائم كاجناسها وجميع دبابات الارض كاجناسها.ورأى الله ذلك انه حسن.


فى الواقع ان النقلة بين الكائنات وحيدة الخلية و اول كائن حي عديد الخلايا احتاج زهاء الف مليون عام و فى ذلك اعترافا بيولوجيا باهمية الكائنات عديدة الخلايا مهما كان تركيبها بسيطا و لم يتم ذكر كل ذلك.

لم يحالف الكاتب الحظ فى ترتيب خلق الكائنات التي ذكرها فالعلم الحديث المبني على سجل الحفريات يخبرنا عن ترتيب مختلف تماما لظهور تلك الكائنات . و لن اقوم بالتعقيب هنا لان الامر لا يحتاج اى ايضاحات و ساترك القارىء يقارن بين الترتيب التوراتي و الترتيب العلمي:

1- اول الاسماك من ذوات الفقرات منذ نحو 510 مليون عام
2- اول النباتات و الحشرات منذ نحو 400 مليون عام
3- اول الزواحف منذ نحو340 مليون عام, متطورةً من البرمائيات التى تطورت من الاسماك بدورها
4- اول زواحف شبيهة بالثدييات الحالية فى اثناء الحقبة بين (225-190) مليون عام و التى اخذت فى التطور و اتسع لها المجال للحياة بحريه و من ثم التطور بشكل سريع بعد انقراض الديناصورات منذ 65 مليون عام
5- بدايات الديناصورات الطائرة و لعل اشهر مثال عليها هو الـArchaeopteryx منذ نحو 150 مليون عام و التى اخرجت لنا لاحقا الطيور
6- تطور الانسان الحالى "هومو سابينز" من فصائل سابقة شبيهة بالانسان مثل "هوموس ايريكتوس" و "هوموس اجيليس" عودةً الى الاسترولوبيتيكوس افارينيسيس منذ 5 ملايين عام مضت و يجدر الاشارة الى ان بعض الفصائل المكتشفة لم تكن من اجدادنا بقدر ما كانت من "ابناء اعمامنا" ان صح التعبير و لعل اشهرها رجل النياندرتالس .

26 وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا.فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض.
27 فخلق الله الانسان على صورته.على صورة الله خلقه.ذكرا وانثى خلقهم.
28 وباركهم الله وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الارض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدبّ على الارض.

هنا تتجلى مأساة الـتفكير الاناني البشري Anthropomorphism حيث يتم ذكر خلق الانسان على حدة, و على انه "خليفة الاله فى الارض" و على صورته و مثاله و ان كل هذا الجمال و كل هذه النجوم التى لا نقدر حتى على احصائها انما وجدت من اجل "المخلوق الاسمى" الذى لم يفتأ يحطم الطبيعة و يدمرها و يستخدمها لصالحه هو فقط. و لم لا ؟ الم يخلقها الله من اجله ؟

الخلاصة
ان سفر التكوين اتى محاولة بشرية خالصة لتفسير وجود الكون و لتوطيد فكرة ان الكون انما وجد من اجل الانسان و لحسن الحظ ان الانسان ذاته الان صار على درجة من العلم و التحضر تمكنه من الاجابة على الاسئلة ذاتها و لكن من دون جهل و سحر و دجل هذه المرة, لكن بتليسكوب موجه لاعماق الفضاء و بمعول يطرق الارض ليستخرج الحفريات و بقلب تملؤه النشوة عندما يفكر فى ان الكون اخرج كائناً من العقل لدرجة تشغله بالماضي السحيق. ان الف كتاب عن السحر و الاساطير لا يبعث فى القلب سعادة لحظة من تامل مجرة اندروميدا الجميلة بالتليسكوب, و ان الفكر القديم المتعجرف الذى يصورنا كاسياد الكون لا يرقى لفكر اليوم المتواضع الذى يتركنا ننساب فى رقة كقطرة عادية كأى قطرة اخرى فى محيط الوجود.


مراجع :
1- التوراة
2- كتاب "المفهوم الحديث للمكان و الزمان" لبول ديفيز
3- ملحمة الاينوما
http://www.sacred-texts.com/ane/enuma.htm

4- مقالات علمية عن التطور وفي بعضها ردود على حجج الخلقيين
http://www.earthlife.net/mammals/human-evolve.html
5- مقال للمقارنة بين قصة الخلق في التوراة و الاينوما
http://web2.airmail.net/capella/aguide/genenum.htm
الكاتب: العزاء الصوفي
المصدر: منتدى اللادينيين العرب

3 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها