محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..

23‏/12‏/2010

كيف نشأت الحياة؟

في هذا الاستعراض الرائع لاهم النظريات حول منشأ الحياة يقدم لنا الدكتور سيبكوسكي، عالم المتحجرات، نظرة متكاملة علمية حول السؤال الذي لطالما شغل الناس. ونجد في هذا المقال عرضاً جميلاً وسلساً للأفكار العلمية في هذا الصدد، بعيداً عن اسطورة الخلق الدينية بمختلف نسخها...


كيف نشأت الحياة؟
بقلم ج . جون سيبكوسكي

تخيل معي انك قد هبطت على كوكب غريب، وبقعة هبوطك هي واحدة من الجزر البركانية التي تقع ضمن محيط يغطي الكوكب بأكمله. والضوء في السماء ليس بالساطع، حتى ان اشراقة النجوم تبدو أضعف بـ 20% مما أنت معتاد عليه. كما ان هناك في السماء قمراً واحداً كبير الحجم.


اليوم الواحد في هذا الكوكب، أي دورة النهار والليل، قصير نوعاً ما؛ أقل من 15 ساعة. وفي الظلام، فإن بامكانك أن تشاهد المذنبات في السماء، مع الكثير الكثير من النيازك المتجهة باتجاه الكوكب. وعندما يأتي الضوء نهاراً، فإنك تخطو الى الخلاء الفسيح، مرتدياً بدلة فضائية خاصة، حيث ان الجو الخارجي الكثيف، المتألف بصورة رئيسية من النيتروجين N2 وثنائي اوكسيد الكاربون CO2، والذي يكاد يخلو من الاوكسيجين الصالح للتنفس O2، هذا الجو سيخنقك بلا إبطاء. وبينما تخطو خارجاً تلفت انتباهك حرارة الجو المرتفعة، والتي قد تصل الى أعلى من 49 درجة مئوية.

أهلاً وسهلاً ومرحباً بك الى الأرض قبل اربعة مليارات سنة. في ذلك الوقت كانت القارات قد بدأت للتو بالتشكل، والشمس كانت تبدو أقل ضياء مما هي عليه اليوم، والقمر كان أقرب الى الارض، وكانت الارض تدور حول محورها أسرع من دورانها اليوم. على هذه الارض القديمة، لم يكن هناك تقريباً أي اوكسيجين في الغلاف الجوي، ومن الممكن انه كان هناك كميات هائلة من غاز الدفيئة CO2 عملت على ابقاء الكوكب دافئاً، أدفأ بكثير مما هو عليه اليوم. هذه هي البيئة التي نشأت فيها الحياة على كوكبنا.

هذه المعرفة التي لدينا حول وضع الأرض قبل مليارات السنين هي في الحقيقة ثمرة الكثير من المعارف المكتسبة في الكثير من الحقول العلمية الأخرى، الفيزياء وعلم الفلك والكيمياء والجيولوجيا، كلها ساهمت في اعطائنا هذه الصورة عن الأرض. فمثلاً، نجد ان علماء الفيزياء الفلكية قد عرفوا ان النجوم الصغيرة، والتي هي بحجم شمسنا، تزداد سطوعاً بمرور الزمن ــ وهكذا فإن الشمس قبل اربعة مليارات سنة كانت ولابد اقل سطوعاً مما هي عليه اليوم.

قوانين الفيزياء من الناحية الاخرى، تنبئنا بان قوى المد والجزر، والتي يسهم القمر بدور رئيسي في تكوينها، هذه القوى تعمل - ببطء - على التقليل من سرعة دوران الارض حول نفسها. وحيثما تقل سرعة دوران الارض حول نفسها، فأن اليوم سيزداد طولاً ويصل الى الاربع والعشرين ساعة المعروفة لدينا. ولكن قبل أربعة مليارات سنة، فقد تطلب الأمر 15 ساعة فقط لكي تكمل الأرض دورة كاملة حول محورها. وأكد علماء الاحاثات Paleontology من جهتهم هذا التقليل التدريجي في سرعة دوران الارض حول محورها عن طريق قياس حلقات النمو اليومية في أصداف الحيوانات البحرية التي عاشت قبل ملايين السنين. بالإضافة الى ذلك، فإن قانون حفظ الزخم يفيد بأن على القمر أن يتحرك مبتعداً عن الأرض عندما تقلل الارض من معدل دورانها، وعلى هذا الأساس فان القمر قبل اربعة مليارات سنة كان بالتأكيد أقرب إلى الأرض مما هو عليه اليوم.

من جهتهم وجد الجيولوجيون في الصخور القديمة أدلة تشير الى انه كان هناك فقط "آثار" من الأوكسيجين في الغلاف الجوي. كذلك يعتقد العلماء بأنه كان هناك نشاط بركاني وافر في تلك الفترة ، لأن المواد الإشعاعية في الارض القديمة كانت تفقد الحرارة، و هذه الحرارة بدورها ستولد البراكين، والفتحات البركانية.

في ظل هذه الظروف العدائية، كيف أمكن للحياة أن تنشأ على هكذا كوكب؟! بدأ العلماء بمناقشة هذا السؤال جدياً منذ عشرينات هذا القرن (القرن العشرون)، عندما اقترح عالم كيمياء روسي، وعالم وراثة انجليزي، كل على حدة، أن وحدات البناء الأساسية للحياة ربما تكون قد تشكلت من جزيئات بسيطة في الغلاف الجوي للأرض القديمة، كنتيجة لتنشيطها (تزويدها بالمزيد من الطاقة) عن طريق البرق. ومنذ ذلك الحين والعلماء يتقدمون بنظرياتهم حول أصل الحياة، واقترح بعضهم بأن وحدات البناء الأساسية للحياة قد تكون انتقلت الى الارض على ظهور المذنبات او النيازك. ومؤخراً أخذ بعض العلماء بالاعتبار احتمالية تكـّون الحياة في مكان آخر - على كوكب او جرم سماوي ما - ووصولها الى الارض بعد ان اندفعت شظاياً نيزكية من هذا الكوكب او الجرم السماوي الى الارض إثر اصطدام عنيف. أضف الى ذلك النظريات التي تقول بنشوء الحياة حول الفتحات البركانية الحارة في قيعان المحيطات.

هذه النظريات، ونظريات اخرى، سيطرت على عقول مجاميع مختلفة من العلماء ولسنوات طويلة. وفي رحلة استقصائهم وبحثهم الدؤوب وجدوا - ضمن ما وجدوا - انهم لا يتفقون دائماً حول ماهية الحياة.




أقدم الادلة على وجود الحياة على الأرض

إن عمر الأرض وباقي المجموعة الشمسية هو تقريباً 4.6 مليار سنة. ويبدو ان اول الأزمان التي قد تكون الحياة انبثقت خلالها على الأرض هو اربعة مليارات سنة خلت. وهذا لأن الكويكبات والمذنبات كانت قد أمطرت الأرض خلال الفترة منذ تكوينها وحتى قبل اربعة مليارات سنة. استحصل العلمات معلوماتهم عن هذا الـ"قصف" عن طريق دراسة مواقع الاصطدام على سطح القمر وتحديد وقتها، حيث ان هذه المواقع لا تزال ماثلة حتى الان، بعكس مثيلاتها على الارض والتي محتها العوامل الجوية. وعن طريق دراسة أحجام هذه الأخاديد القمرية، نستطيع ان نحكم بان بعض المذنبات التي اصطدمت (بالأرض وبالقمر) كانت كبيرة جداً، كبيرة الى الحد الذي يجعل الطاقة المتحررة من اصطدامها بالارض كافية لغلي وتبخير المياه من على سطحها، وهذا ما كان يحول دون تكـّون الحياة، حيث ان الماء ضروري للحياة.

مؤخراً، اعلن مجموعة من العلماء انهم وجدوا ادلة غير مباشرة على ان الحياة كانت حاضرة على الأرض قبل 3.8 مليار سنة، وذلك بعد عصر قصف المذنبات العظيمة بوقت ليس بالطويل. ان هذه المعلومة تدل على ان الحياة قد تكونت وتطورت بسرعة ما ان سمحت لها الظروف بذلك.

قام هؤلاء العلماء من مؤسسة سكريبس للمسح المحيطي (Scripps Institution of Oceanography) بتقديم تقرير في عدد نوفمبر 1996 من مجلة (Nature) يفيد بأن تركيب الكربون في الصخور القديمة الموجودة على احدى الجزر التابعة لكرين لاند يظهر بأن هناك عمليات حياتية كانت تجري قبل 3.8 مليار سنة. ويعتقد بأن هذه الصخرة (الجزيرة) التي تقع على مسافة قصيرة من كرين لاند هي أقدم قليلاً جداً من التركيبة الصخرية لكرين لاند نفسها، والتي تدعى بتجمع إيزوا (Isua Group)، والتي تحتوي على اقدم الصخور المتكونة من الرواسب المتخلفة من المياه. هذا وإن تحديد العمر بالاشعاع Radiometric dating يبين لنا أن تجمع إيزوا يبلغ من العمر 3.8 مليار سنة. (تحديد العمر بالإشعاع يستخدم نسبة تحلل العناصر المشعة في العينة لتحديد عمرها.)

ان الدليل غير المباشر الذي قدمه هؤلاء العلماء يتمثل في إيجاد نسبة مميزة من نظائر الكاربون (الأخف : الاثقل). ان النظائر هي مجاميع من الذرات ذات عدد متساوي من البروتونات ولكنها تختلف من حيث عدد النيوترونات، مما يعطي كلا منها وزنا ذرياً مختلفاً (الوزن الذري atomic weight هو مجموع البروتونات والنيوترونات).
لقد احتوت هذه الصخرة التي تمت دراستها من قبل فريق سكريبس على كمية من نظير الكاربون 12 اكثر مما يفترض بالعمليات اللاحياتية ان تنتجه. والسبب ان الكائنات الحية تميل الى تفضيل النظائر الاخف لعنصر ما اكثر قليلاً من النظائر الاثقل لهذا العنصر، وهكذا فان الكائنات الحية على سبيل المثال تستعمل الكاربون 12 اكثر من الكاربون 13 (والذي يحتوي على نيوترون اضافي)، وكذلك تستعمل الاوكسجين 16 اكثر بقليل من الاوكسجين 18 (والذي يحتوي على نيوترونين اضافيين).

اما اول الأدلة المباشرة على وجود الحياة على الارض فهي اقدم الاحافير المعروفة، والتي يرجع تاريخها الى 3.55 مليار سنة خلت. ان هذه الاحفوريات تتكون من سلاسل مكروسكوبية بدائية من الجدران الخلوية الاسطوانية او الاهليلجية، وقد حفظت الاسطح الخارجية لهذه الجدران الخلوية في الصخور على شكل طبقات رقيقة غنية بالكاربون.

ان الجدران الخلوية المحفوظة في الصخور، والمعروفة باسم تشرت chert، بدت مشابهة الى حد كبير للاحافير الاحدث والتي ترجع الى الحقبة من 2.5 مليار الى 0.55 مليار سنة قبل الان، بالاضافة الى ذلك فانه من الصعب جداً التمييز بين هذه الاحافير القديمة (في صخور التشرت) وبين احافير اخرى تعود للـسيانوباكتيريا cyanobacteria والتي تعرف احيانا بالطحالب الخضر المزرقة، والتي يرجع تاريخها الى اقل من2.5 مليار سنة. ان هذا يطرح الاحتمال بان اقدم الاحافير المتواجدة لدينا هي لكائنات عضوية متقدمة الى حد لا بأس به، وهذا يعني ان هناك الكثير من أشكال الحياة الاخرى قد سبقت هذه الكائنات المتحجرة.
لقد تم اكتشاف اقدم الاحافير خلال فترة الثمانينيات في بحوث مستقلة عن بعضها، اجرى احدها عالم الاحياء ستانلي اوراميك من جامعة كايفورنيا- سانتا باربرة UCSB، واجرى الاخر عالم احياء المتحجرات paleobiologist وليم سكوبف من جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس UCLA. قام هذان الاثنان بجمع عينات من التشرت من احدى تشكيلات الصخور غربي اوستراليا والمعروفة باسم تجمع واراوونا warrawona group، واظهر تحديد العمر باستخدام النظائر المشعة للاحجار البركانية المترافقة مع هذه الصخور ان عمرها يبلغ حوالي 3.55 مليار سنة.

اذن، فالدليل الاحفوري يدل على ان الحياة بدأت على الأقل قبل 3.8 مليار الى 3.55 مليار سنة، ويظهر الدليل الجيولوجي ان الاشكال الاولى للحياة كانت قد تكونت بلا شك في غياب الاوكسيجين الجزيئي، حيث كان هناك (على اكثر تقدير) نسب ضئيلة جداً من الاوكسيجين الحر في الغلاف الجوي قبل اربعة مليارات سنة. ان الدليل على هذا النقص في الاوكسجين نجده في الصخور الرسوبية، كالرمال والأوحال والتشرتات المترسبة من مياه المحيطات على سواحل القارات البدائية، والتي لا تزال موجودة حتى الان في اوستراليا وجنوب افريقيا وشمال كندا وفي كرين لاند. يحتوي الكثير من هذه الصخور الرسوبية القديمة على نسبة من الحديد اعلى بكثير من النسبة الموجودة في الرواسب البحرية الحديثة. ان المياه التي قامت بترسيب الصخور الحديثة هي مياه غنية بالاوكسيجين، والذي يتحول الحديد بوجوده الى صدأ في عملية تدعى بالاكسدة، والصدأ لا يذوب في الماء. على العكس من ذلك فان الحديد غير المؤكسد يذوب في الماء بالفعل ومن ثم ينتقل الى المحيطات عن طريق مياه الانهار. ان وجود كميات قليلة جداً من الاوكسيجين قد تتسبب في ترسيب هذا الحديد وجعله ينزل الى قاع المحيط، دون ان يتحول الى صدأ. ولهذا فان الكميات الوافرة من الحديد في الصخور الرسوبية القديمة تعني وجود كميات قليلة جداً من الاوكسيجين الحر في الأرض القديمة، في الغلاف الجوي او مذاباً في الماء.

لربما كانت ندرة الأوكسيجين في الارض القديمة نعمة لاشكال الحياة الاولى. وعلى قدر ما تبدو هذه الحقيقة غريبة: فإن الأوكسيجين يعد سماً زعافاً للكائنات الحية، حيث يقوم الاوكسيجين بسرعة بتفكيك الجزيئات المعقدة في الخلايا. ولهذا فإن الخلايا البشرية، وخلايا الحيوانات والنباتات والفطريات، كلها تمتلك آليات كيميائية معقدة تقوم بمنع الأوسيجين - أغلب الوقت - من ايذاء الجزيئات الموجودة داخل تلك الخلايا.

ان الكثير من انواع البكتريا البدائية والتي لا تزال محافظة على نوعها حتى الان لا تمتلك مثل هذه الآليات الوقائية ولذلك فإنها تموت بسرعة عند تعرضها الى الاوكسيجين في الهواء. إن هذه الانواع من البكتريا البدائية هي كل ما تبقى من العصور السحيقة لتاريخ الأرض، وهي التي تزود العلماء بالادلة حول العمليات التي انتجت الحياة.


البكتريا البدائية: "أحافير على قيد الحياة"؟

ان اكثر الاحياء بدائية على الارض اليوم تشمل انواع البكتريا التي تعيش في مياه الينابيع السطحية الساخنة وفتحات التهوية الحارة hot water vents في قيعان المحيطات والتي تنتجها الفعاليات البركانية. ومؤخراً فقد اكتشف العلماء الاهمية التطورية لهذه الكائنات.

ان اكتشاف الطبيعة البدائية لهذه الكائنات قد تم من خلال التطور الحاصل خلال العقود القليلة الماضية في مجال التقنيات الاحيائية والتي مكنت العلماء من معرفة تسلسل القطع الجينية ضمن الشيفرة الوراثية للكائن الحي، ومن ثم تقدير عدد التغييرات في هذه الشيفرة والتي تفصل نوعين عن بعضهما البعض. واعتماداً على الفرضية القائلة بأنه كلما كان السلف المشترك لكائنين حيين اقرب كلما قلت الاختلافات بين الشيفرات الجينية الخاصة بكل منهما، فإن بإمكان العلماء ان يقوموا برسم خارطة توضح العلاقات التطورية بين الكائنات الحية المختلفة. ويستخدم العلماء برامج حاسوبية غاية في التعقيد لمساعدتهم في رسم هذه الخارطة.

ان نتائج هذه المقارنات الجينية توضح لنا ان الكائنات الحية تنقسم الى ثلاث مجاميع أساسية، تعرف باسم الحقول:

1)   حقل الكائنات المتطورة (eukaryote): وهي الكائنات التي تمتلك خلاياها نويات مميزة تحتوي على المادة الجينية، وتشمل الحيوانات والنباتات والفطريات والطحالب والكائنات الأولية الوحيدة الخلية (مثل الأميبا).
2)   الحقل الثاني يشمل جميع انواع البكتريا الحقيقية (وهي كائنات وحيدة الخلية تفتقر الى الغشاء الخلوي الداخلي).
3)   الحقل الثالث يضم المجموعة الصغيرة والغريبة من الكائنات الحية المجهرية احادية الخلية ، والمعروفة باسم الأثريات archaea (وكانت تعرف سابقا باسم البكتريا الاثرية archaebacteria).

تختلف الأثريات عن البكتريا على صعيد الكيمياء الحيوية في كل منهما. ويدخل ضمن نطاق الأثريات مجموعة من اقدم المخلوقات وأكثرها بدائية على الأرض. ويبدو انه لا يوجد اليوم اي كائن حي ناج ٍ من فترة ما قبل انفصال الكائنات الحية الى هذه الحقول الثلاثة (بمعنى ان هذه الحقول تشمل جميع الكائنات الحية الان، ولا يوجد اليوم كائن يجمع صفات حقلين او اكثر منها - المترجم).

ان اكثر انواع البكتريا بدائية اليوم تتشارك مع الأثريات خاصيتين مثيرتين للإهتمام الى اقصى الدرجات، فكلاهما ذاتي التغذية autotrophic (أو منتج للغذاء - المترجم)، وهذا يعني انهما يصنعان غذائهما بنفسهما عن طريق تركيب جزيئات معقدة باستعمال الطاقة الكيميائية التي يستمدانها من البيئة الخارجية. كذلك فان كلاهما يعيش في بيئات حارة لا تستطيع أغلب الكائنات الأخرى العيش فيها. ان عملية انتاج الغذاء التي تقوم بها هذه الكائنات فاجأت الكثير من العلماء، فالكثير من النظريات التي تحدثت عن أصل الحياة في بداية القرن العشرين اقترحت بأن الكائنات الحية الأولى كانت كائنات مستهلكة للغذاء heterotrophs (أي انها تمتص الجزيئات المعقدة كغذاء لها بدل ان تقوم بتصنيعها بنفسها). الحيوانات مثلاً هي كائنات مستهلكة للغذاء، اما النباتات الخضراء والبكتريا الخضر المزرقة cyanobacteria فهي منتجة له (أو ذاتية التغذية)، تماماً كالبكتريا البدائية والكائنات الأثرية.

مع ذلك، فإن الكائنات ذاتية التغذية البدائية تختلف الى حد بعيد عن النباتات الخضراء والبكتريا الخضر المزرقة في الطريقة التي تركب بها الجزيئات المعقدة. فبينما تستمد النباتات الخضراء والبكتريا الخضر المزرقة الطاقة الضوئية من الشمس وتستعملها مع ثنائي اوكسيد الكاربون CO2 والماء H2O والأوكسيجين O2 لتركيب هذه الجزيئات المعقدة، نجد ان الكائنات الحية من أمثال الأثريات، والتي تعيش قرب فتحات التهوية الحارة في قيعان المحيطات تقوم باستعمال الطاقة الكيميائية من مواد مثل كبريتيد الهايدروجين H2S (والتي تنبعث من الفتحات نفسها) من أجل تركيب جزيئات عضوية معقدة (عضوية: تعني محتوية على الكاربون).

ان حقيقة وجود أكثر الكائنات بدائية اليوم وعيشها في مناطق ساخنة جداً تقترح بان الحياة، أو على الأقل الحياة الخلوية، قد نشأت في مكان كهذا.

قبل أربع مليارات سنة، لا بد انه كان هناك عدد اكبر بكثير من فتحات التهوية هذه في قيعان المحيطات عما هو عليه اليوم، والسبب هو وجود كمية وافرة من الذرات النشطة اشعاعياً (كما يعتقد العلماء) في ذلك الوقت والتي تتحلل الى مواد غير مشعة محررة اثناء ذلك قدراً من الطاقة على شكل حرارة. وهذه الحرارة كانت بلا شك ستسبب للأرض عشرات الالاف من البراكين، وطبعاً فان ما كان من هذه البراكين تحت الماء سيكـّون لنا ما يعرف بفتحات التهوية الساخنة، والتي تمثل البيئة الصالحة لنشوء الحياة كما تحدثنا منذ قليل.




تعريف الحياة وخصائصها

لنعمق فهمنا للطريقة التي قد تكون الحياة قد انبثقت بها للوجود علينا أن نحدد أولاً معنى كلمة "الحياة". يتفق أغلب العلماء على ان الكائنات الحية يجب ان تتسم بسمتين أساسيتين، هما الأيض والتكاثر. أولاً، يجب ان يكون الكائن قادرا على القيام بعملية الأيض الغذائي، أي انه يستطيع التقاط الطاقة من البيئة المحيطة به وخزنها على شكل جزيئات معقدة كالكاربوهايدرات (ومن امثلتها النشاء والسكـّر)، ثم انه يقوم بتكسير هذه الجزيئات من أجل تحرير هذه الطاقة المخزونة والاستفادة منها. ان الطاقة الخارجية قد تكون بصيغة طاقة ضوئية أو طاقة كيميائية، كما في حالة النباتات الخضراء والأثريات (على التوالي)، وقد تكون، كما في حالة الكائنات المستهلكة للغذاء، قد تكون على هيئة طاقة غذائية يحصل الكائن عليها عن طريق التغذي على كائنات اخرى.

إن هناك أعداداً كبيرة من المواد الكيمياوية المختلفة التي يتم انتاجها وتحويلها اثناء عملية الايض داخل الكائن الحي. وتدخل الجزيئات المتكونة بصورة أساسية من الكاربون في العمليات الحياتية لجميع الكائنات الحية على الأرض، وتعرف هذه العمليات الحياتية باسم التفاعلات العضوية. ان الأواصر الكيميائية التي تربط الكاربون بالأوكسيجين والهايدروجين والنايتروجين والعناصر الأخرى في الجزيئات العضوية، هي أواصر ضعيفة وأضعف من اغلب الروابط الكيميائية الاخرى. ان وجود هكذا اواصر ضعيفة يعني ان الكائن العضوي يستطيع بسهولة ان يعيد ترتيب هذا الجزيئات، سواء بنائاً أو هدماً. كذلك فان الحرارة والفوتونات الضوئية والطاقة الاشعاعية، هذه كلها قد تؤثر في بنية المركبات المؤسـَّسة على الكاربون.

الفعالية الثانية التي تميز الحياة هي انها تعيد انتاج نفسها (تتكاثر). كل صور الحياة على الأرض تستعمل نوعين من الجزيئات - الحامض النووي الرايبوزي ثنائي الأوكسجين deoxyribonucleic acid (DNA) والحامض النووي الرايبوزي ribonucleic acid (RNA) - من أجل حفظ الشكل والتصميم الخاص بها بهدف استعماله من جديد عند التكاثر، وإن الـDNA والـRNA تعدان اكبر الجزيئات واكثرها تعقيداً في الكائنات الحية على الإطلاق، وبدونهما لا يستطيع الكائن الحي ان يصنع نسخة جديدة عن نفسه أبداً. تتشابه هاتان الجزيئتان في تركيبهما، فكلاهما على شكل سلم طويل جداً وملتف حول نفسه، ويحتوي كلاهما على ستة مكونات اساسية تتكرر على طول الجزيئة، وهذه المركبات هي: مجموعة سكـّر، ومجموعة فوسفات، واربعة انواع مختلفة من القواعد النيوكليوتيدية nucleotide bases.

عندما تقوم الخلية بعملية التكاثر، فان جزيئة الـDNA الموجودة داخلها تقوم بعمل نسخة ثانية عن نفسها، وهذا ما يدفع بالخلية الى الانقسام الى شطرين، حيث يتسلم كل شطر نسخة من الـDNA. ان تسلسل القواعد النيوكليوتيدية في جزيئة الـDNA يحدد نوع البروتينات التي يتم انتاجها في الخلية وبأي تسلسل يتم انتاجها. في حين أن الـRNA، وهي جزيئة شبيهة بالـDNA تقوم بنقل المعلومات النووية المشفرة في الـDNA الى المواقع الصحيحة ضمن الخلية لضمان انتاج البروتينات.

تمثل البروتينات احد المكونات الرئيسية للكائنات العضوية، والبروتينات هي جزيئات عضوية قد تكون بالغة الطول والتعقيد، وتحتوي البروتينات شأنها في ذلك شأن الـDNA والـRNA على مجموعة من المكونات الأساسية والتي تتكرر باستمرار ضمن الجزيئة الواحدة، وهذه المكونات الأساسية للبروتينات تعرف باسم الأحماض الأمينية amino acids وتشكل احجار البناء لكل انواع البروتينات في الكائنات العضوية. وتصنف بعض البوتينات على انها إنزيمات enzymes، وهي جزيئات تقوم بتسريع تفاعلات كيميائية معينة ضمن الكائن الحي.

ومع ذلك، فإنه ليس من السهل دائماً ان نحدد ما هو حي وما هو غير حي. على سبيل المثال فإن بعض العلماء يشملون الفيروسات بلفظة "حي"، في حين لا يشملها البعض الآخر منهم. ان الفايروس هو كيان يحتوي على DNA و RNA مغلفة بجزيئات بروتينية، وهو يستطيع ان يتكاثر، لكنه لا يستطيع التقاط الطاقة من البيئة المحيطة به. و على كل حال فان الفيروس لا يستطيع ان يتكاثر إلا عن طريق اقتحام خلية من خلايا كائن حي ما ومن ثم الإيعاز لها بالقيام بعمل نسخ من نفسه.

عندما يقوم الـDNA والـRNA بعمل نسخ عن نفسهما، فان النسخ لا تكون دائماً مطابقة للأصل. ففي بعض الأحيان تحدث طفرات mutations على شكل تغييرات في الشيفرة الجينية. ان هذه الطفرات مهمة جداً في عملية التطور لانها تقود أحياناً الى ظهور صفات تعمل على تحسين قابلية الكائن على البقاء أو تحسين خصوبة الكائن الحي ورفع فرصه بالتكاثر. وفي خضم هذه العملية (والمعروفة بالانتخاب الطبيعي) تقوم الكائنات الحية بالتكاثر وبتمرير الصفات الإيجابية الى ذرياتهم.

ان الوحدة الاساسية لبناء الكائن الحي هي الخلية، وتتكون كل الكائنات الحية المعروفة من خلايا، ما عدا الفايروسات (على افتراض ان الفايروس يعتبر "حياً"). وتعتبر الخلية مصنعاً لانتاج الجزيئات المعقدة من الجزيئات البسيطة، والخلايا تكون عادة محتواة داخل غشاء مكون من جزيئات عضوية، ويسمح هذا الغشاء لجزيئات من انواع معينة بالدخول او الخروج من وإلى الخلية.



نظريات حول منشأ الحياة

حتى في أبسط الكائنات العضوية احادية الخلية نجد عمليات كيميائية غاية في التعقيد تشترك فيها جزيئات معقدة أيضاً، وهذه العمليات هي التي تؤلف ما نسميه بالحياة. ولهذا فان التطور اللازم لنشوء حتى ابسط هذه الكائنات تطلـَّب خطوات كثيرة لكي يتم. أولاً، يجب ان تكون المواد الكيميائية العضوية اللازمة للحياة، كالأحماض الامينية، يجب أن تكون قد توفرت من مصدر ما... ثانياً، لا بد ان تكون هذه الاحجار الاساسية للبناء قد تجمعت معاً من أجل بناء جزيئات عضوية أطول وأكثر تعقيداً، وفي احدى المراحل فان الـDNA قد ظهر الى الوجود. 
وبشكل ما فإن هذه الجزيئات المعقدة قد تم احتواؤها داخل الخلايا... في العقود الأخيرة الماضية عرف العلماء معلومات كثيرة عن هذه الخطوات وطوروا عدداً من النظريات حول مكان وكيفية ظهور الحياة، وما هي الصيغة التي ظهرت بها للمرة الأولى.

إن اول الأسس النظرية للبحث العلمي حول هذه الأسئلة تمت بلورتها على يد عالمين، أحدهما كيميائي روسي، واسمه اليكساندر ايفانوفيتش أوبارين A. I. Oparin، والثاني أخصائي وراثة انكليزي واسمه جون بردون ساندرسن هالدين J. B. S. Haldane، وهذا خلال عقد العشرينات من القرن العشرين. قام هذان العالمان، كلاً على حدة، بتكوين نظريتاهما القائلة بأن وحدات التكوين الأساسية للحياة من الممكن ان تكون قد تشكلت من جزيئات اقل تعقيداً في الأجواء البدائية للأرض - والتي كانت تخلو من الأوكسيجين - عندما قام البرق بتزويدها بالطاقة عند مروره خلالها، او ربما عن طريق مصادر اخرى مشابهة للطاقة.

وفقاً لفرضية أوبارين وهالدين، فان الجزيئات العضوية المعقدة المتكونة في الغلاف الجوي ستتساقط فيما بعد على المحيطات البدائية على شكل مطر، مكونة "حساءاً عضوياً". واستنتج العالمان بأن الانتخاب الطبيعي سيقوم بدوره الفعال بينما تجتمع هذه الجزيئات سوية في هذا الـ"حساء"، حيث سيتم تفضيل أي مجموعة من الجزيئات تستطيع أن تبيد المجاميع الاخرى من أجل الطاقة الكيمياوية والنمو والتكاثر. وهكذا اقترحا ان الحياة بدأت على شكل مستهلكات بدائية للغذاء ــ جزيئات تقوم بالتغذي على المركبات العضوية الخارجية. وفيما بعد، عندما نضب مخزون المحيطات من الجزيئات المعقدة، فإن بعض اشكال الحياة البدائية مرت بطفرات وراثية جعلت منها كائنات منتجة للغذاء، وراحت تستخدم الطاقة الفيزيائية بدلاً من الكيميائية الممتصة من المحيط الخارجي لانتاج الجزيئات العضوية.

تم اختبار الجزء الأول من هذه أفكار هذين العالمين بصورة مختبرية في بداية خمسينات القرن العشرين، وقام بذلك العالم الكيميائي ستانلي ميلر Stanley Miller، ثم قام بهذا العمل أيضاً أحد التلامذة في جامعة شيكاغو في الينويس تحت اشراف عالم الفيزياء هارولد يوري Harold Urey الحائز على جائزة نوبل. تضمنت التجربة استعمال تركيبة الغلاف الجوي للمشتري حيث كان يعتبر نموذجاً للأجواء البدائية، حيث قام ميلر بوضع خليط من غازات الميثان CH4 والامونيا NH3 وبخار الماء H2O والهايدروجين H2 في دورقين مغلقين موصولوين ببعضهما عن طريق انابيب زجاجية، ثم قام بتزويد هذا الترتيب المختبري باجهزة تساعده على محاكاة البرق في الأجواء البدائية عن طريق ارسال شرارات كهربائية خلال إحدى هذين الدورقين.

جائت نتائج ميلر مذهلة: تسببت الشرارات الكهربائية في تفاعل الغازات لتكوين جزيئات عضوية تبلغ من التعقيد مستوى لا بأس به، ثم بدأت هذه الجزيئات بالتساقط على شكل أمطار هطلت من الجو الاصطناعي. وكانت احدى انواع الجزيئات المتكونة احماضاً امينية، وحدات البناء الأساسية للبروتينات وبالتالي لجميع اشكال الحياة المختلفة. وهكذا تم اثبات الجزء الأول من فرضية أوبارين وهالدين، ذلك الجزء المتعلق بنشوء وحدات البناء الاساسية للحياة في الغلاف الجوي البدائي، بوجود البرق أو مصدر اخر للطاقة.

واستمر ميلر وعلماء اخرون باجراء التجارب من أجل تحديد المكان الذي نشأت فيه هذه الوحدات الأساسية لأول مرة والكيفية التي تم بها ذلك، وبينوا لنا بأن المركبات المعقدة قد تنشأ بوجود عدة أنواع من الطاقة: الأشعة فوق البنفسجية (كالتي تزودنا بها الشمس) والحرارة (و التي قد تأتي من البراكين) وحتى الأهتزاز العنيف (الذي قد يحصل نتيجة لاصدام النيازك بالأرض)، وأنتجوا من خلال تجاربهم جميع الأنواع العشرين للأحماض الأمينية التي تنتجها الكائنات الحية في يومنا هذا وكذلك قاموا بإنتاج أشكال مختلفة للسكريات والفوسفات، بضمنها تلك التي تشكل الفقرات الأساسية في تركيب الـDNA والـRNA.

ولكن مع ذلك، جلبت لنا السنون شكوكاً جديدة حول تجارب أوبران وهالدين، منها مثلاً الاعتراض القائل بأن الكائنات الحية الأكثر بدائية اليوم تبين انها ذاتية التغذية، وليست مستهلكة للغذاء ــ أي انها لا تقوم بالقضاء على الجزيئات الأخرى من اجل الطاقة الغذائية كما توقع اوبران وهالدين.
إضافة الى ذلك يعتقد العلماء اليوم بأن الغلاف الجوي القديم للأرض كان يختلف بصورة كبيرة عن ذلك الذي استخدمه ميلر في تجاربه، حيث أن الخليط الذي استعمله ميلر وغيره في تجاربهم كان مختزلاً الى حد كبير (والاختزال هو حالة كيميائية تعاكس الأكسدة) في حين ان الدراسات الجيولوجية والنظرية توصلت مؤخراً الى ان الأرض كانت قد فقدت بسرعة أي جو بدائي مختزل كان يمكن أن يحيط بها.

إبان نهاية القصف النيزكي العظيم "great meteorite bombardment" قبل حوالي اربعة ملايين سنة، كان جو الأرض يحتوي في الغالب على النايتروجين N2 وثنائي اوكسيد الكاربون CO2 وبخار الماء H2O بصورة رئيسية، وربما بعض من أحادي أوكسيد الكاربون CO. وعندما اعيدت تجارب ميلر ويوري باستعمال هذا الخليط لم تنتج نفس الكميات الوافرة من وحدات بناء الحياة الأساسية.


مركبات عضوية من الفضاء

أجمع أغلبية العلماء مؤخراً على ان الوحدات الأساسية لبناء الحياة قد أتت الى الأرض من الفضاء الخارجي، وقامت المسابير الفضائية بمهمات التقت فيها بمذنب هالي لتكتشف وجود كميات كبيرة من المركبات العضوية في الفضاء. في الحقيقة، فقد تبين إن بدن مذنب هالي (والذي يقع في الجهة المعاكسة للهالة والذيل المتوهج) هو من اكثر المناطق المرصودة في النظام الشمسي غزارة بالمواد العضوية، حيث تغطيه طبقة كثيفة من مجموعة مواد عضوية لزجة تدعى بالـ organic gunk، ونفس الأمر ينطبق على بعض اقمار المشتري وزحل. لذلك يبدو واضحاً لنا انه حتى اذا لم يكن بالامكان حدوث عملية تصنيع المركبات العضوية التي انتجها ميلر في تجربته على جو الأرض، فإن بالامكان نشوؤها في الكثير من المواضع في النظام الشمسي، بضمنها الشهب والمذنبات.

وأظهرت بعض التجارب والحسابات الحديثة، والتي اجري بعضها في مختبر العالم الفلكي كارل ساغان Carl Sagan في جامعة كورنيل في إيثاكا، نيويورك، ان بعض الجزيئات العضوية المعقدة الى حد بعيد، بضمنها الأحماض الأمينية، قد تنجو من اصطدام احد المذنبات بالأرض، وهكذا بامكاننا أن نقول بأن المذنبات التي ضربت الأرض خلال الفترة الأخيرة من القصف النيزكي العظيم، قد تكون جلبت معها تلك الوحدات الأساسية لبناء الجزيئات الحية.



تكوين الجزيئات الحاملة للمعلومات

مع كل ما تقدم ذكره، تبقى مسألة نشوء الـDNA والـRNA بانتظار الجواب الشافي لها، فكيف يمكن لهكذا جزيئات "معلوماتية" أن تظهر إلى الوجود نتاج عمليات لاحياتية؟ كما ان هذه الاعتبارات والآراء السابقة لم تواجه أحد أكثر الأسئلة جوهرية حول منشأ الحياة: كيف أمكن للـDNA، أو الجزيئات السابقة له، أن يكـوِّن ويسيطر على هذه المصانع العضوية الصغيرة التي ندعوها بالخلايا؟

أخذ العلماء في الآونة الأخيرة يركزون جهودهم على الفرضية القائلة بأن الـRNA ظهر الى الوجود قبل الـDNA. وفي الواقع فإن الـDNA لا يقوم بالكثير من المهام، إن كل ما يفعله هو القيام بخزن المعلومات الجزيئية، وهناك جزيئات اخرى كالإنزيمات enzymes هي التي تجعل الـDNA يـُظهر ما يحمله من معلومات في خلايا الكائنات العضوية، ويتم نقل هذه المعلومات وترجمتها الى جزيئات الـRNA والتي تحمل بدورها هذه المعلومات المشفرة الى اماكن اخرى في الخلية.

كما ان الـRNA يمتلك القابلية على تحفيز، أو تنشيط، بعض التفاعلات الكيمياوية المنتجة للبروتينات، ولكن الـRNA في الكائنات الحية الموجودة اليوم لا يستطيع القيام بعملية تنشيط هذه التفاعلات الكيميائية بمفرده، بل انه يقوم بذلك بمساعدة إنزيمات أخرى، تعرف باسم الإنزيمات المساعدة coenzyme، ويتم تمرير بعض من هذه الانزيمات الى كل خلية اثناء عملية التكاثر خلال الاستمرار السلس للحياة عبر الزمن.

كذلك ظهر مؤخراً سيناريو جديد في ضوء فكرة "عالم الـRNA" البدائي (عالم الـRNA : أي بغياب الـDNA - المترجم): وينص هذا السيناريو على ان الحياة بدأت كجزيئات (أنانية) لا هم لها سوى التكاثر، واول هذه الجزيئات الأنانية كانت عبارة عن جزيئة RNA لا تحتوي الا على تسلسل قصير جداً من القواعد النيوكليوتيدية، وبعكس الـRNA الحديث المعروف الآن، فإن هذه الجزيئات الافتراضية البدائية كانت تستطيع تحفيز التفاعلات الكيمائية لوحدها، منتزعة بذلك وحدات البناء الكيميائية من المياه المحيطة بها، لتقوم بعد ذلك باستخدام هذه الوحدات لإنتاج نسخ جديدة عن نفسها. واذا سمحت التغيرات - الطفرات الوراثية - لهذا الـRNA بأن ينتج جزيئة إنزيمية ملحقة به قامت بتسريع عملية تكاثره، فان هذا الزوج من الجزيئات سوف يتكاثر ويزيد من أعداده على حساب كل باقي الجزيئات.

إن هذا السيناريو ليس غريباً ولا بعيداً عن العقل، فالبكتريا والفايروسات الحديثة غالباً ما تمر بطفرات جينية متحولة بذلك الى سلالات أكثر فتكاً أو أكثر احتمالاً للشدائد، ومن ثم تقوم بالتكاثر بسرعة. ان البكتريا المنفردة تستطيع ان تعيد انتاج نفسها كل 20 ساعة في المعدل، في البيئة الصالحة للتكاثر، والـRNA الذي نتحدث عنه هو ابسط من ابسط اشكال البكتريا الحية اليوم بعدة ملايين من المرات، وفي البيئة المناسبة فإن زمن التكاثر لهذه الجزيئات قد لا يكون تعدى الثواني.

إن مفهوم الجزيئة الأنانية التي تضيف الى نفسها عن طريق الصدفة معلوماتٍ تساعدها على التكاثر بكفاءة أعلى، هو مفهوم مختلف تماماً عن أفكار اوبارين وميلر ويوري حول الجزيئات الكروية الصغيرة والتي تتقدم ببطء نحو الحالة الحية. إن نظرية الـRNA "الأناني" تركز على التكاثر والتطور، في حين ان أفكار اوبارين وميلر ويوري تلتفت الى الأيض ــ وتكوين مجموعة من الجزيئات التعاونية التي تستطيع اكتساب الطاقة واكتساب الجزيئات الأخرى.

وتصل نظرية الـRNA الأناني الى الأيض - عملية جمع الطاقة من البيئة الخارجية - بطريقة سهلة نسبياً: فإذا قامت أي جزيئة انزيمية اخرى انتجها الـRNA (عن طريق الصدفة) بتسريع عملية التكاثر فإن ذلك الـRNA المتحول سوف يتكاثر ويصعد على أكتاف الجزيئات الأخرى، واذا استطاعت انزيمات مساعدة جديدة ان تلتقط نوعاً ما من الطاقة من البيئة الخارجية فإن الـRNA الأب المسيطر سوف يتكاثر بسرعة وكفاءة أعلى حتى من ذي قبل. وأخيراً، اذا استطاع هذا الـRNA مع مجموعة انزيماته المساعدة ان يصنـّع غلافاً مغلقاً - غشائاً خلوياً - يحميهم من المؤثرات الخارجية المختلفة، فإننا نكون قد وصلنا الى ما نستطيع أن نسميه بالحياة.

احدى الأفكار التي خرجت الى حيز الوجود حول الكيفية التي استطاعت بها الحياة، أو سلف الحياة، أن تكتسب الطاقة الاستهلالية لتمكينها من تنشيط التفاعلات الكيميائية - وبالتالي بدايات الأيض - تقول بأن الحياة قد تكون تشكلت في البداية على شكل طبقة رقيقة (فلم) من الجزيئات العضوية، وفي الحقيقة فإن الجزيئات العضوية تستطيع بسهولة أن تشكل هكذا طبقات. ويقود هذا الخط الجديد من الأبحاث في ميونخ العالم الألماني غونتر فاشترشوستر Günter Wachtershäuser، ويعتمد على المشاهدات المتعلقة بالبكتريا البدائية جداً وكيف انها ذاتية التغذية، حيث ان هذه البكتريا مترافقة دائماً مع المعادن الكبريتيدية.

إن الخصائص الكهربائية لسطوح بعض المعادن الكبريتيدية، كالبايرايت (كبريتوز الحديد FeS2 والمعروف كذلك باسم "ذهب المغفلين ")، والذي يكون شائعاً في البيئة المائية، تسمح له باجتذاب الجزيئات العضوية المعقدة، وعلى الأغلب فإنها تسمح له ايضاً بابقاء الطاقة الالكترونية دافقة خلال هذه الجزيئات، مما يمكـّن هذه الجزيئات من الاستمرار بالتفاعل وبالتالي يزيد من تعقيدها مع الوقت. ومن الممكن أن يحدث هذا في أي بيئة يندر فيها وجود الأوكسيجين، كالأرض القديمة مثلاً...

أنه لمن المنطقي من وجهة النظر التطورية ان تنشأ الحياة قرب فتحات التهوية الساخنة تحت الأعماق، فالتفاعلات الكيميائية تحدث بصورة أسرع في البيئة الأكثر سخونة، والأخطاء في إعادة صنع المادة الجينية ستكون أكثر بالتأكيد (مما يسهل ظهور الطفرات الأساسية لعملية التطور - المترجم)، وهكذا سيزداد عدد الطفرات الحاصلة في فترة زمنية محددة في مجموعة متكتلة من الجزيئات المعقدة المترسبة قرب الفتحات الساخنة، وسيكون بالتأكيد أكثر مما هو عليه في أي مكان آخر ضمن مياه المحيط الأكثر برودة. إن هذه الطفرات هي التي ستتكفل بنجاح العملية التطورية.

ولكن، أين الـDNA من كل هذا؟ ان الـDNA كجزيئة هو أقوى كثيراً من الـRNA، فهو أقل تعرضاً للتلف بالحرارة والأشعة فوق البنفسجية والتفاعلات الكيميائية المضرة. وهكذا، فإنه من المسلـّم به الان بانه بينما أخذ "عالم الـRNA" يزداد تعقيداً، فلا بد ان الـDNA غدا ضرورياً في مرحلة ما من أجل الاحتفاظ بالمعلومات الجينية المهمة، عن طريق التقليل من معدل حدوث الطفرات (لأنه قوي نسبياً ولا يتغير بسهولة - المترجم). قد يكون الـDNA هو الاختراع الجزيئي الذي مكـّن المعلومات الوظيفية من أن تنفذ بصورة أكثر فاعلية.


حياة من الفضاء الخارجي؟

كذلك ظهرت فكرة أخرى تقول بأن الحياة لم تنشأ على الأرض، بل إنها بدلاً من ذلك قدمت الينا بعد نشوئها على كوكب آخر في النظام الشمسي. وهذه الفكرة ليست سخيفة تماماً؛ فإن ألبكتريا البدائية والكائنات الأثرية لها قابليات مهولة على تحمل الظروف البيئية القاسية، وقد يستطيع بعضها أن ينجو حتى من سفرة عبر الفضاء.

ولقد قام فريق من علماء الإدارة الوطنية للفضاء والملاحة الجوية (NASA) في عام 1996 بالإعلان عن دليل غير مؤكد على وجود اشكال بدائية من الحياة محفوظة في نيزك قدِم من المريخ عمره 4.5 مليار سنة.

إذا ثبت هذا الدليل، فإن على العلماء ان يدرسوا احتمالية قيام الحياة على المريخ قبل وصولها الى الأرض بصورة جدية. إن للمريخ حقلاً جذبياً أضعف بكثير من ذلك الذي للأرض، وهذا يسهل على الصخور الانفلات من سطح المريخ الى الفضاء. وأكثر من ذلك، فإن الأرض تمتلك فرصاً أكبر من المريخ لالتقاط النيازك. ومن يدري؟ فربما نكون جميعنا أحفاداً للمريخيين.

وطبعاً تبقى الاحتمالية قائمة، بل وربما مرجحة، إن الحياة قد نشأت على كل من الأرض والمريخ بصورة مستقلة، خصوصاً وإن كلا الكوكبين كانا قد تعرضا إلى الأمطار النيزكية الغنية بالمواد العضوية قبل أربعة مليارات سنة. إن حل هذا السؤال سوف يأتي من: 1) التجارب الكيميائية المستمرة حول الأسلاف الجزيئية للحياة؛ 2) الإستكشاف المنظم للمريخ بحثاً عن أحافير ومتحجرات في مطلع القرن القادم؛ و 3) البحث المستمر عن مصدر فضائي للذبذبات الراديوية الدورية المعقدة... إن ايجاد ذبذبات ذكية سيؤكد لنا وجود حياة واعية في مكان آخر، وأن الحياة قد نشأت على الكثير من الكواكب وبصورة مستقلة.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الكاتب:
ج. جون. سيبكوسكي؛ الإبن: بروفيسور علم الإحاثة في جامعة شيكاغو، ركزت بحوثه على الإختلافات الاحيائية التطورية على النطاق الواسع، واشكال الحياة المنقرضة.

المصدر: كتاب إنكارتا السنوي، ديسمبر 1996.

مايروسوفت ® إنكارتا ® 2009. © 1993 - 2009 مجموعة شركات مايكروسوفت. جميع الحقوق محفوظة.



مصدر المقال المترجم: منتدى الملحدين العرب
ترجمة: Black

2 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها