محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..

23‏/12‏/2010

اختبار الانتخاب (الاصطفاء) الطبيعي

قد يتأخر اكتشاف بعض الأفكار في فرع علمي ما لطبيعتها الدقيقة والمعقدة أو الصعبة . ولكن مفهوم الانتخاب الطبيعي ليس بإحدى تلك الحالات . فمع أنه ظهر متأخراً مقارنة بأفكار ثورية علمية أخرى - طرحت من قبل " دارون " و " والاس " في عام 1858 ، وتلاها إصدار " داروين " كتابه أصل الأنواع  في عام 1859 – فإن فكرة الانتخاب الطبيعي هي البساطة بعينها . وتتمكن بعض الكائنات من الازدهار في ظروف معينة أكثر من غيرها وتنجب نسلا أكثر ، فتصبح أكثر شيوعا مع مرور الزمن ؛ أي أن البيئة " تنتخب " من الكائنات تلك الأكثر تلاؤما مع الشروط المحيطة الحالية وعند تغير الشروط البيئية ستسيطر مكانها تلك الكائنات التي تصادف أن امتلكت خواص أكثر مواءمة مع الشروط المستجدة . فالجانب الثوري في الداروينية لا يتمثل في ادعاءات ملغزة حول البيولوجيا ، وإنما في إيحائها  بإمكانية كون المنطق المؤسس للطبيعة مدهشا في بساطته .

عانت نظرية الانتخاب الطبيعي ، على الرغم من بساطتها ، تاريخا طويلا حافلا بالصعوبات . فبعكس طرح " داروين " حول تطور الأنواع الذي لقي قبولا سريعا من البيولوجيين ، فإن معظمهم لم يقبل ما طرحه حول أن الانتخاب الطبيعي هو المحرك لمعظم هذا التغير؛ وحتى أنه لم يتم عموما اعتماد مبدأ الانتخاب الطبيعي كقوة رئيسية للتطور فعليا إلا بعد مضي عقود في القرن العشرين .

ويتبوأ مبدأ الانتخاب الطبيعي حاليا موقعا آمنا نتيجة لعقود من البحث التجريبي التفصيلي ، علما أن فصول التمحيص في الانتخاب الطبيعي لم تستكمل البتة حتى الآن . والواقع هو أن تطوير تقنيات تجريبية جديدة جزئيا والعمل على التحليل التجريبي الدقيق للآليات الجينة المؤسسة للانتخاب الطبيعي ، أكسبا مساعي دراسة الانتخاب الطبيعي في البيولوجيا حيوية فاقت ما كانت عليه قبل عقدين من الزمن . وقد تمحور الكثير من الأبحاث التجريبية الحديثة هذه حول أهداف ثلاثة : تحديد مدى شيوع الانتخاب الطبيعي ، وتحديد التغيرات الجينية الدقيقة الناجمة عن الانتخاب الطبيعي والمولدة للتكيّف ، ثم تقدير مدى إسهام الانتخاب الطبيعي في إشكالية أساسية في البيولوجيا التطورية تتمثل في منشأ الأنواع الجديدة .

الانتخاب الطبيعي : فكرته 


تعد الاستعانة بالكائنات ذات دورة الحياة القصيرة التي تسمح بتتبع عدة أجيال منها ، الطريقة المثلى لتقدير أهمية دور الانتخاب الطبيعي في عملية التطور .فبعض أنواع البكتيرات تستطيع مضاعفة عددها كل نصف ساعة ، وهكذا لنتصور مجموعة من البكتيرات موزعة في نمطين جينيين بداية وبأعداد متساوية . ولنفترض إضافة إلى ذلك أن كليهما يلتزمان بالتكاثر التالي :
بكتيرات النمط الأول لا تولد إلا نسلا من النمط الأول ، و بكتيرات النمط الثاني لا تولد إلا نسلا من النمط الثاني . والآن لنفترض حدوث تغير فجائي في البيئة : وضع مضاد حيوي في هذه البيئة يستطيع النمط الأول مقاومته ، في حين يعجز عن ذلك النمط الثاني . في هذه البيئة الجديدة يكون النمط الأول أكثر لياقة ؛ أي أنه أحسن تكيفا ، فهو يبقى – ومن ثم يتكاثر – أكثر من النمط الثاني . والنتيجة أن النمط الأول يولد نسلا أكثر مما يولده النمط الثاني .

ويجسد مصطلح " اللياقة " fitness، المستخدم في سياق البيولوجيا التطورية والذي هو مصطلح تقني ، فكرة : أرجحية البقيا أو التكاثر في بيئة معينة . وحصيلة عملية الانتخاب ، التي تكررت مرات عديدة لا حصر لها في سياقات مختلفة هو ما نراه في الطبيعة : نباتات وحيوانات ( و بكتيرات ) لائقة fit لبيئتها بطرق معقدة .

وبمقدور علماء الوراثة التطوريين إثراء النقاش السابق من خلال إتحافنا بتفاصيل بيولوجية غنية . فنحن نعلم ، على سبيل المثال ، أن منشأ الأنماط الجينية هو طفرات في جزيء الدنا dna – تغيرات عشوائية في تسلسل النكليوتيدات ( وهو خيط متسلسل مكون من الأحرف T,C,G,A ) المكونة " للغة " الجينوم . وكذلك نعلم قدرا جيدا عن معدل تشكل طفرة مشتركة – تحول في حرف واحد في الدنا إلى حرف آخر . فلكل نكليوتيد في كل خلية تناسلية ، في كل جيل ، فرصة واحدة في البليون تقريبا كي يتحول إلى نكليوتيد آخر . ولكن الأهم في هذا السياق ، هو أننا على علم بعض الشيء بتأثير الطفرات في اللياقة . فالغالبية الساحقة للطفرات العشوائية ضارة بالكائن الحي ، فهي تحط من لياقته ؛ ويقتصر المفيد منها الداعم للياقة على أقلية قليلة جدا . ومعظم هذه الطفرات سيئ للسبب نفسه الذي يجعل معظم أخطاء الطباعة في كود الحاسوب سيئ . فالمرجح أن يؤدي أي تغير عشوائي في منظومة محكمة بدقة إلى خلل في الأداء وليس إلى تحسنه .

تنقسم فعالية التطور التكيفي adaptive evolution إلى مرحلتين ، يتوزع فيهما العمل بشكل صارم بين حادثة الطفرة وعملية الانتخاب . وينجم عن هذه الطفرات في كل جيل كائنات جديدة معدلة جينيا تثري الجماعات . ويغربل الانتخاب الطبيعي لاحقا هذه الطفرات : تعمل قسوة الشروط البيئية على خفض تواتر الكائنات المعدلة " السيئة " ( غير اللائقة نسبيا ) ترفع من تواتر " الجيدة " ( اللائقة نسبيا ) . وتجدر الإشارة هنا إلى قدرة جماعة الكائنات على جمع العديد من الأفراد المعدلين جينيا في آن واحد ، ويساعد هذا الجمع على التصدي للمتغيرات البيئية عندما تنشأ . فقد تكون الجينة التي أنقذت بكتيرات النمط الأول من تأثير المضاد الحيوي بلا فاعلية – أو حتى ذات أثر ضار قليلا – في ظروف البيئة الخالية من المضاد الحيوي ، ولكن توافرها في النمط الأول مكن البكتيرات من البقيا عندما تغيرت الظروف .

لقد أضاء علماء الوراثة المختصون بالجماعات جوانب من عملية الانتخاب الطبيعي أيضا عبر اللجوء إلى وصف رياضياتي لها . وبينوا ، على سبيل المثال ، وجود تناسب طردي بين درجة لياقة نمط ما في جماعة من جهة ، وسرعة تنامي تواتره من جهة أخرى . وقد أمكن بالفعل حساب مدى سرعة حدوث هذه الزيادة . واكتشف علماء الوراثة المختصون بالجماعات الحقيقة المدهشة بأن للانتخاب الطبيعي قوة " إبصار" من الصعب تصورها ، تستطيع تمييز تباين مدهش في الصغر في مستوى لياقة الأنماط الجينية . ففي جماعة مكونة من مليون فرد ، بمقدور الانتخاب الطبيعي أن يعمل من خلال تباين صفير في مستوى لياقة الأفراد يصل إلى واحد في المليون .

وثمة سمة مميزة لمنطق الانتخاب الطبيعي وهي أنه يبدو صحيحا من أجل أي مستوى من مستويات الكينونة entity الحيوية ، من الجينة إلى النوع . وقد أخذ البيولوجيون في الاعتبار ، منذ " داروين " بالطبع ، تباين اللياقة بين أفراد الكائنات ، ولكن يمكن للانتخاب الطبيعي من حيث المبدأ ، التأثير في بقيا survival أو تكاثر كائنات أخرى .


وعلى سبيل المثال ، يمكننا أن نفسر أن : أنواع الكائنات ذات الانتشار الجغرافي الواسع لها – كنوع – فرصة أكبر للبقيا من الأنواع الأخرى ذات الانتشار الجغرافي المحدود . فالأنواع الأولى المنتشرة ستتحمل ، في النهاية زوال بعض الجماعات المحلية أكثر مما ستتحمله الأنواع المحصورة جغرافيا. وبذلك قد يتنبأ منطق الانتخاب الطبيعي بزيادة نسبية مع مرور الوقت في الأنواع ذات الانتشار الجغرافي الواسع .

وعلى الرغم من صحة هذه الحجة شكليا – و التطوريون يشتبهون فعلا في حدوث انتخاب مستويات أعلى بين الحين والآخر فإننا نجد معظم البيولوجيين متفقين على كون الانتخاب الطبيعي يحصل اعتياديا في مستوى الكائنات الفردية أو الأنماط الجينية . ويعود ذلك إلى أن مدة حياة الكائنات أقصر كثيرا من مدة حياة الأنواع . فالانتخاب الطبيعي في مستوى الكائنات هو الغالب في مستوى الأنواع .

ما مدى شيوع الانتخاب الطبيعي ؟

إن أحد أبسط الأسئلة التي يمكن أن يطرحها  البيولوجيون حول الانتخاب الطبيعي هو أيضا – وهذا مفاجئ – أكثرها صعوبة من حيث الإجابة عنها : ما مدى مسؤولية الانتخاب الطبيعي في إحداث تغيرات في التكوين الجيني العام لجماعة ما ؟ إن أحدا لا يشك جديا في أن الانتخاب الطبيعي هو المحرك لعميلة تطور معظم السمات الفيزيائية في الكائنات الحية – اذ لا يوجد تفسير آخر معقول للسمات الواسعة الانتشار ، كالمنقار والعضلة ذات الرأسين والدماغ . ولكن هناك شك جدي حول أهمية الدور الذي يؤديه الانتخاب الطبيعي في توجيه التغير على المستوى الجزيئي . ما هي إذن نسبة التغيرات التطورية في الدنا التي منشؤها مفعول الانتخاب الطبيعي عبر ملايين السنين ، مقارنة بالتغيرات التي تعود إلى مفعول بعض العمليات الأخرى ؟

افتراض جمهور علماء الحياة ، حتى أعوام الستينات من القرن الماضي أن الإجابة عن هذا السؤال تتمثل في " جميع التغيرات تقريبا " إلا أن مجموعة من علماء الوراثة المختصين بالجماعات يرأسها الباحث الياباني "كيمورا " تحدث بقوة هذه الفرضية . فقد جادل "كيمورا" بأن معظم التطور الجزيئي لا يحركه عادة انتخاب طبيعي " إيجابي " حيث ترفع البيئة من خلاله تواتر الأنماط المفيدة التي كانت نادرة في البدء . والأحرى – كما قال – أن معظم الطفرات الجينية التي تدوم وتبلغ تواترا مرتفعا في الجماعات هي محايدة انتخابيا وليس لها أثر يذكر في اللياقة بطريقة أو أخرى .



وتستمر بالطبع الطفرات الضارة بالظهور بمعدل مرتفع ، إلا أنها لا تستطيع أبدا بلوغ تواتر مرتفع في جماعة ما ؛ أي إنها مسلك تطوري مسدود, ولما كانت الطفرات المحايدة عمليا " غير مرئية " في البيئة الأنية ، فإن بمقدورها أن تتسلل بهدوء إلى الجماعة ، ومع مرور الزمن تعدل تركيب الجماعة الجيني تعديلا رئيسيا . وقد أطلق على هذه العملية تسمية " الانجراف الجيني العشوائي " وهو جوهر نظرية الحياد في التطور الجزيئي .

ومع ولوج الثمانينات من القرن الماضي ، تبنى معظم علماء الوراثة التطوريين نظرية الحياد ، إلا أن معظم البيانات الساندة لهذا التوجه كان غير مباشر ، إذ غابت الاختبارات الحرجة المباشرة .وساعد تطور مسعيين على إصلاح هذه المشكلة :
المسعى الأول هو تصميم علماء الوراثة المختصين بالجماعات اختبارات إحصائية بسيطة لتمييز التغيرات الحيادية في الجينوم من تلك ذات الطبيعة التكيفية .
والمسعى الثاني هو تصميم تقانات جديدة لتحليل تسلسل الدنا أو الجينوم الكلي للعيد من الأنواع ، مما وافر مدا كبيرا من البيانات أتاح تطبيق الاختبارات الإحصائية نفسها عليها .

وقد أوضحت تلك البيانات الجديدة أن نظرية الحياد قد بخست الانتخاب الطبيعي أهميته . في إحدى هذه الدراسات عمل فريق ، يرأسه كل من " بيكان " و " لانكلي " ( وهما في جامعة كاليفورنيا – ديفيس ) ، على مقارنة تسلسل دنا نوعين من ذبابة الفاكهة ، تابعين لجنس الدوروسوفيلا Drosophila  . فحللا نحو ستة ألاف جينة في كلا النوعين ، وحددا تلك الجينات التي قد تشعبت بعد انفصال النوعين عن أصلهما المشترك , وعبر تطبيق اختبار إحصائي ، قدرا أنه يمكن استبعاد التطور الحيادي في 19% على الأقل من هذه الجينات ؛ أو بعبارة أخرى : إن الانتخاب الطبيعي يدفع التشعب التطوري في خُمس مجموعة الجينات المدروسة ( ولأن الاختبار الإحصائي المستخدم كان محافظا ، فإن النسبة الحقيقية قد تكون أكبر بكثير ) .

ولا تعني هذه النتيجة تهميش التطور الحيادي ؛ إذ إن بعضا من الجينات الـ81% قد يكون ، في النهاية ، تشعب بفعل عامل الانجراف الجيني ؛ بل هو يدل على أن دور الانتخاب الطبيعي في تشعب الأنواع يفوق ما خمنه معظم مؤيدي نظرية الحياد . ودفعت دراسات شبيهة بتلك معظم علماء الوراثة التطوريين إلى استنتاج مفاده أن الانتخاب الطبيعي هو العامل الشائع الذي يحرك التغير التطوري ، حتى في مستوى تسلسل نيكلوتيدات الدنا.




الوراثة الخاصة بالانتخاب الطبيعي :

على الرغم من ثقة البيولوجيين في دفع الانتخاب الطبيعي للتغير التطوري ، فإننا غالبا ما نجدهم يجهلون كيفية حديث ذلك ، وهذا يشمل حتى سمات بدنية عادية ( المنقار ، العضلة ذات الرأسين ، الدماغ ) . فعلى سبيل المثال ، لم يكن معروفا – حتى تاريخ حديث – إلا القليل عن التغيرات الجينية المؤسسة للتطور التكيفي . لقد سمح التطور الجديد في علم الوراثة للبيولوجيين بتحدي هذه الإشكالية بصورة مباشرة . وحاليا هناك محاولات للإجابة عن مجموعة أسئلة جوهرية حول عملية الانتخاب ؛ كالأسئلة التالية : عندما يتكيف كائن مع بيئة جديدة من خلال الانتخاب الطبيعي ، فهل يتم ذلك بسبب تغيرات تحدث في جينات قليلة أم كثيرة . وهل يمكن تحديد هوية هذه الجينات ؟ وهل تشارك الجينات ذاتها في حالات مستقلة من التكيف مع المحيط نفسه ؟
ليس من السهل الإجابة عن تلك الأسئلة . وتكمن الصعوبة الرئيسية في أن زيادة اللياقة الناجمة عن طفرة مفيدة قد تكون زيادة صغيرة جدا ، وهو الأمر الذي يجعل التغير التطوري بطئيا جدا . وتتمثل إحدى الطرق التي لجأ إليها البيولوجيون التطوريون لمعالجة هذه المشكلة ، وفي وضع جماعات من الكائنات الحية السريعة التكاثر وتنميتها في بيئات صنعية ، حيث الاختلاف في اللياقة أكبر ، ومن ثم فإن عملية التطور أسرع . ويساعد العملية إن كان عدد جماعات الكائنات الحية كبيرا بما فيه الكفاية لتحقيق سيل مستمر من الطفرات . وفي دراسة التطور التجريبي للميكوربات ، توضع نمطيا جماعة من الكائنات الميكروية المتماثلة جينيا في محيط جديد عليها أن تتكيف معه . ولما كانت جميع هذه الكائنات تحوي تسلسل الدنا ذاته في بداية التجربة ، فإن الانتخاب الطبيعي يعمل على استثمار الطفرات الجديدة التي حدثت إبان التجربة فقط ويستطيع الباحث مع مرور الزمن ، تبيان كيفية تغير اللياقة في الجماعة من خلال قياس سرعة النكاثر في البيئة الجديدة .
أكثر أبحاث التطور التجريبي إثارة للفضول أُنجزت باستخدام الفيروسات الملتهمة للبكتيرات ، وهي فيروسات من الصغر بحيث تستطيع خمج infect البكتيرات . وهذه الفيروسات تحوي جينومات صغيرة مكافئة لحجمها ، ما يساعد البيولوجيين على إجراء تسلسل كامل لجينوماتها في بداية التجربة ونهايتها ، وكذلك أثناء التجربة . وهذا يسمح بتعقب كل تغير جيني " يمسك " به الانتخاب الطبيعي لينشره مع الزمن .
طبق كل من " هولدر " و " بول " ( وهما من جامعة تكساس في أوستن ) تجربة كالواردة أنفا باستخدام نوعين قريبين جداً من الفيروسات الملتهمة للبكتيرات : ФX174و  G4 ، وكلاهما يخمج بكتيرة معوية شائعة هي الإشريشيا كولي E.Coli  . لقد وضع الباحثان الفيروسات في درجات حرارة عالية غير اعتيادية ، وسمحا لها بالتكيف مع البيئة الحارة الجديدة ، فازدادت في كلا النوعين درجة اللياقة أثناء التجربة بشكل درامي . ولاحظ الباحثون في كلتا الحالتين النمط ذاته ؛ إذا تحسنت اللياقة سريعاً في بداية التجربة ، وتباطأت مع مرور الزمن . واللافت هو أن " هولدر " و " بول " تمكنا بشكل دقيق من تحديد طفرات الدنا التي عملت على زيادة اللياقة .



الانتخاب الطبيعي ( في البيئات الطبيعية ) :

على الرغم مما يقدمه البحث التطوري التجريبي من رؤية جديدة لمفعول الانتخاب الطبيعي ، يبقى الأسلوب المعتمد محصورا في استخدام الكائنات الحية البسيطة التي تسمح بتحديد كامل تسلسل دنا الجينوم مرات عدة . كذلك حذر بعض العاملين في هذا المجال من أن أبحاث التطور التجريبي قد تضمن ضغوطا انتخابية قاسية لا توجد في الطبيعة ، وقد تكون أقسى كثيرا من تلك التي تواجهها الكائنات في بيئاتها الطبيعية . لذلك رغبنا في دراسة عملية الانتخاب في كائنات حية أرقى في ظروف أقرب إلى ظروف البيئة الطبيعة ، فكان لا بد لنا من ابتداع أسلوب مغاير للبحث في هذه التغيرات التطورية البالغة البطء .
و لعمل ذلك ، فإن علماء التطور يلجؤون نمطيا إلى جماعات أو أنواع انفصلت عن بعضها منذ زمن كافٍ للعثور بسهولة على اختلافات تكيفية بينها نحتها الانتخاب الطبيعي ؛ ومن ثم عملوا على دراسة هذه الاختلافات جينيا . وعلى سبيل المثال ، قام كل من " شيمسكيه "( من جامعة ولاية ميتشكان ) و " برادشو " ( من جامعة واشنطن )  بتحليل دور الانتخاب الطبيعي في نوعين من زهرة القرد . وقد وجدا أنه على الرغم من علاقة القربى القوية فيما بين هذين النوعين ، فإن التلقيح يتم بشكل رئيسي في زهرة Mimulus Lewisii  بوساطة النحل الطنان bumble bees فيما ينجز بشكل رئيسي في M.Cardinalis  بوساطة الطائر الطنان hummingbird وتبين البيانات المتوافرة من الأنواع الأخرى أن أسلوب التلقيح عبر الطيور في الجنس Mimulus قد تطور من تلقيح حشرة النحل .
إن اختلاف لون الزهرة وحده – M. Lewisii أزهار وردية اللون ، في حين أن M.Cardinalis  أزهار حمراء اللون . يفسر بكشل جلي التباين في اختيار الملقح pollinator .وعندما لجأ كل من " شيمسيكه " و " برادشو " إلى تهجين النوعين ، بيّنا أن الاختلاف في لون الزهرتين يعود في معظمه ، فيما يبدو ، إلى مفعول جينة وحيدة تسمى الأصفر العلوي YUP .وبناءً على ذلك ، عملا على توليد نمطين مختلفين من الهجائن : النمط الأول الذي يحوي الجينة YUP من النوع M.Cardinalis ، أما ما تبقى من جينوم هذا الهجين فهو مشتق من النوع M. Lewisii ليعطي أزهارا برتقالية اللون . النمط الثاني كان صورة مرآتية للهجين الأول ؛ إذ حوى الجينة YUP من النوع M. Lewisii ، وما تبقى من الجينوم مشتق من النوع M.Cardinalis ليعطي أزهارا وردية اللون .
وعندمات تم نقل الهجائن إلى البرية ، لاحظ الباحثات أن الجينة YUP لها مفعول هائل في حذب الملقّح . فنباتات M. Lewisii ، على سبيل المثال ، التي تحمل الجينة YUP من النوع M.Cardinalis جذبت إليها الطائر الطنان بمقدار 68 مرة أكثر من نباتات M. Lewisii الصافية ؛ أما فيما يخص التجربة المعكوسة ( نباتات M.Cardinalis مع الجينة YUP من النوع M. Lewisii ) فكانت النتيجة زيادة في زيارات النحل الطنان قدرها 74 مرة . فليس إذن ثمة شك في الدور الرئيسي للجينة YU في تطور التلقيح الذي يقوم به الطائر الطنان في النوع M.Cardinalis . ويتضح من بحث " شيمسكيه " و "برادوشو " أن عامل الانتخاب الطبيعي قادر أحيانا على تأسيس تكيفات عبر ما يبدو أنه تغيرات جينية بسيطة .




أصل الأنواع :

إن ادعاء " داروين " الأكثر جرأة فيما يخص الانتخاب الطبيعي ، يتلخص في اعتبار الانتخاب الطبيعي هو العالم الذي يفسّر كيفية نشوء الأنواع ) علما أن عنوان كتابه المشهور هو : أصل الأنواع ) . ولكن هل بمقدور الانتخاب الطبيعي تفسير ذلك بالفعل ؟ وما هو الدور الذي يؤديه الانتخاب الطبيعي في عملية تكون الأنواع speciation  وتشعب سلالة معينة إلى سلالتين ؟ سؤالان ما يزالان إلى اليوم موضوعا مهما في أبحاث البيولوجيا التطورية .

كي نتوصل إلى إجابات عن هذين السؤالين / لا بد من فهم ما يقصده علماء التطور بمصطلح " النوع " . يلتزم البيولوجيون المعاصرون عموما بعكس " داروين " بما يسمى المفهوم الحيوي للأنواع ، الذي يتمثل جوهره في عزلة الأنواع فيما بينها تكاثريا : أي امتلاك الأنواع سمات جينية تحول دون تبادل الجينات مع الأنواع الأخرى ، وبعبارة أخرى : إن جميع الأنواع المختلفة تمتلك أحواض جينية genetic pools منفصلة .

ويعتقد العلماء أنه لا بد من فصل جماعتين من الكائنات الحية جغرافيا كشروط لتطور العزل التكاثري . فطيور الدوري finches التي سكنت جزرا عدة في أرخبيل كالاباكوس واشتهرت من خلال وصف " داروين " لها في كتابه " أصل الأنواع " يمكن مشاهدتها في يومنا هذا وقد تشعبت بصورة جلية إلى أنواع مختلفة بعد أن انفصلت جغرافيا .

وعندما ينشأ العزل التكاثري ، فقد يتخذ أشكالا عدة . فعند قيام ذكور نوع معين بالمغازلة ، على سبيل المثال ، قد لا تستجيب إناث من أنواع قريبة أخرى إلى هذه المغازلة ( إذا صادف أن تم اتصال جغرافي بين النوعين ) . فإناث الفراشات pieris occidentalis ، على سبيل المثال ، لن تتزاوج بذكور النوع القريب p. protodice ويعود ذلك الإحجام على الأرجح إلى اختلاف في الرسم على أجنحة ذكور النوعين . وحتى إن حصل التزاوج بين النوعين ، فسيؤدي ذلك إلى موت الهجين أو ولادة هجين عقيم ، وسيكون ذلك شكلا آخر من أشكال العزل التكاثري ؛ إذ لا يمكن أن تنتقل الجينات من نوع إلى آخر في حال كون جميع الهجائن الناتجة فيما بينها ميتة أو عقيمة . فسؤال البيولوجيين المعاصرين عما إذا كان الانتخاب الطبيعي هو الذي يُسيّر أصل الأنواع ، يتحول إلى السؤال عما إذا كان الانتخاب الطبيعي هو الذي يؤدي إلى نشوء العزل التكاثري .

طوال القرن العشرين تقريبا ، كان جواب أكثر علماء التطور عن هذا السؤال بالنفي ؛ واعتقدوا أن الانجراف الجيني كان العامل الحاسم في نشوء الأنواع – وأحد أكثر المكتشفات الحديثة إثارة هو احتمال خطأ فرضية الانجراف الجيني كمنشأ للأنواع . والمرجح حاليا هو أن الانتخاب الطبيعي يؤدي دورا رئيسيا في تشكل الأنواع .

ويُعدّ تاريخ تطور نوعَي زهرة القرد الذين سبق ذكرهما ، مثالا جيدا على ما ذكر . ولأنه يندر أن يخطئ الملقِّحان بين نوعي زهرة القرد ، فهذا يعني أن كلا النوعين معزولان تكاثريا بصورة تامة تقريباً . ومع أن كلا النوعين يوجد في الأمكنة ذاتها في شمال أمريكا ، فإن النحل الطنان الذي يزور زهرة M. Lewisii سيتجنب زيارة زهرة M.Cardinalis كما سيتفادى الطائر الطنان الذي يزور زهرة M.Cardinalis ، زيارة زهرة M. Lewisii ؛  وبذلك لن يتم نقل حبوب الطلع فيما بين النوعين إلا فيما ندر .
وبالفعل بيّن " شيمسكيه " وزملاؤه أن هذا الاختلاف في الملقح مسؤول وحده عن كبح الدفق الجيني بين النوعين بما مقدراه 98% . في هذه الحالة تحديدا ، لا يمكن الشك إذن في أن الانتخاب الطبيعي قد عمل على تشكيل تكيفات النباتين مع ملقّحين معينين وأدى إلى عزل تكاثري قوي .

وقد ظهرت أدلة أخرى حول دور الانتخاب الطبيعي في تشكل الأنواع ، وذلك من مصدر آخر غير متوقع . ففي العقد الماضي أو قبل ذلك بقليل استطاع عدة علماء وراثة تطوريين ( ومنهم المؤلف ) تحديد نصف دزينة من الجينات التي تسبب عقما أو موت الهجين . وتؤدي هذه الجينات – التي جرت دراسة معظمها في أنواع ذبابة الفاكهة – وظائف متنوعة عادية ؛ فبعضها يكوّد لأنزيمات وبعضها الآخر يكوِّد لبروتينات بنيوية أو بروتينات ترتبط بالدنا DNA .

ولهذه الجينات سمتان بارزتان : الأولى هي أن معظم الجينات التي تسبب اضطرابات في النسل الهجين قد تشعّبت بسرعة كبيرة . والثانية هي أنها أكدت – وهو ما تبين من اختبارات علم الوراثة المختص بالجماعات – أن التطور السريع لهذه الجينات كان ناجما عن عامل الانتخاب الطبيعي .

إن الدراسات التي تناولت زهرة القرد وعُقم هجائن ذباب الفاكهة ، لم تتعمق بعد بما يكفي في الأبحاث المستمرة في الصدور للكشف عن الدور الفاعل للانتخاب الطبيعي في تشكل الأنواع .
وبالفعل ، يتفق حاليا معظم البيولوجيين على أن الانتخاب الطبيعي قوة تطورية مفتاحية ، لا يقتصر دورها على دفع عجلة التغير التطوري داخل النوع الواحد ، وإنما يمتد ليشمل أنواعا جديدة من الكائنات الحية . ومع أن مجموعة من غير المختصين مازالت تشكك بقوة في حجة الانتخاب الطبيعي وكفاية مفعوله ، إلا أن مكانة الانتخاب الطبيعي لدى البيولوجيين التطوريين ، بدءا من العقود القليلة الماضية ، لم تشهد إلا تناميا في أهميتها وترسيخا لها .
_______________

المؤلف : H.Allen orr
أستاذ جامعي ، وأستاذ Shirley Cox Kearns للبيولوجيا في جامعة روشستر ، ومؤلف مشارك ( مع " جيري كوين " ) لكتاب " تشكل الأنواع " speciation  .
وتتمحور أبحاثه حول الأسس الجينية لتشكل وتكيف الأنواع . حصل " أورر " على ميدالية داروين والاس من جمعية لينيان في لندن ، وزمالة جيوجينهايم ، وزمالة داوود ولوسيل باكارد ، وجائزة دوبزانسكي من جمعية دراسات التطور . نشرت له عدة دراسات ومقالات نقدية في المجلتين New Yorker، New York Review of books  .

المصدر :
مجلة العلوم الأمريكية 5/6 (2009 )


مصدر المقال المترجم: منتدى الملحدين العرب
ترجمة : ZIAD

0 تعليق(ات):

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها