محرك البحث اللاديني المواقع و المدونات
تصنيفات مواضيع "مع اللادينيين و الملحدين العرب"    (تحديث: تحميل كافة المقالات PDF جزء1  جزء2)
الإسلام   المسيحية   اليهودية   لادينية عامة   علمية   الإلحاد   فيديوات   استفتاءات   المزيد..

17‏/01‏/2008

اساطير أن النصر من عند الله وأن الكوارث الطبيعية احدى اسلحته العقابية- الجزء الثاني


لقد كانت الالهة شديدة الانتقام والاهلاك والتخريب لمن يعترض طريقها من البشر او من تجرأ على عصيان اوامرها او اغضابها

هذا ما اكدت عليه اسطورة سومرية اخرى تعرف باسطورة ( انانا والبستانى ) وفيها جاء ان بستانى اغتصب الالهة انانا , وكان رد فعل انانا مهولا انتقاما من البستانى , فقررت انزال الكوارث المهلكة على البلاد جميعا . فماذا فعلت الالهة؟

لقد حولت المياه الى دم , فلم يجد الناس ماءا ليشربوه او ليزرعوا به اراضيهم , فعم الجوع والعطش فى البلاد .

جاء بالاسطورة :

"انانا من اجل فرجها , ماذا فعلت ؟

لقد ملئت جميع آبار البلاد بالدم
ففاضت كل الغابات والبساتين بالدم "

( مغامرة العقل الاولى , فراس السواح ص 198 الطبعة التاسعة 1990 , دار المنارة , سوريا )

وانتقلت دموية الالهة الاسطورية الى الاديان فنرى( يهوه ) اله اليهود , و ( الله ) اله العرب يفعلان ما فعلته الالهة انانا .

اراد يهوه خروج العبرانيين من مصر , وعندما رفض الفرعون قام يهوه :

" بشن حملة من الدمار الشامل على فرعون وقومه لاجباره على اطلاق العبرانيين , وهو يبدأ بما بدأت به انانا السومرية فيملأ آبار المصريين بالدم "
فراس السواح ص 209

وهذا هو تقرير التوراة , خروج 7

17 هكذا يقول الرب بهذا تعرف اني انا الرب ها انا اضرب بالعصا التي في يدي على الماء الذي في النهر فيتحول دما
18 و يموت السمك الذي في النهر و ينتن النهر فيعاف المصريون ان يشربوا ماء من النهر

19 ثم قال الرب لموسى قل لهرون خذ عصاك و مد يدك على مياه المصريين على انهارهم و على سواقيهم و على اجامهم و على كل مجتمعات مياههم لتصير دما فيكون دم في كل ارض مصر في الاخشاب و في الاحجار

20 ففعل هكذا موسى و هرون كما امر الرب رفع العصا و ضرب الماء الذي في النهر امام عيني فرعون و امام عيون عبيده فتحول كل الماء الذي في النهر دما

21 و مات السمك الذي في النهر و انتن النهر فلم يقدر المصريون ان يشربوا ماء من النهر و كان الدم في كل ارض مصر


ان انتقام يهوه كان بشعا حتى ان هذه الدموية لم ترحم الاسماك قبل البشر !!

ولم يكتف يهوه بتحويل مياه المصريين الى دم بل انزل عليهم من الكوارث ما لا طاقة لانسان او حيوان به مثل :

ضربة الضفادع
حيث فاض النهر بالضفادع : " فمد هرون يده على مياه مصر فصعدت الضفادع و غطت ارض مصر " خروج 8 : 6

ضربة البعوض
حيث سحر يهوه تراب مصر وحوله الى بعوض : " ففعلا كذلك مد هرون يده بعصاه و ضرب تراب الارض فصار البعوض على الناس و على البهائم كل تراب الارض صار بعوضا في جميع ارض مصر " خروج 8 : 17

ضربة الذبان المهلكة
" ففعل الرب هكذا فدخلت ذبان كثيرة الى بيت فرعون و بيوت عبيده و في كل ارض مصر خربت الارض من الذبان " خروج 8 : 24

ضربة الوباء الذى فتك بجميع حيوانات مصر :
" ففعل الرب هذا الامر في الغد فماتت جميع مواشي المصريين و اما مواشي بني اسرائيل فلم يمت منها واحد " خروج 9 : 6

ضربة الدمامل والبثور
حيث سحر يهوه رماد الآتون فتحول الى دمامل :
" 8 ثم قال الرب لموسى و هرون خذا ملء ايديكما من رماد الاتون و ليذره موسى نحو السماء امام عيني فرعون
9 ليصير غبارا على كل ارض مصر فيصير على الناس و على البهائم دمامل طالعة ببثور في كل ارض مصر
10 فاخذا رماد الاتون و وقفا امام فرعون و ذراه موسى نحو السماء فصار دمامل بثور طالعة في الناس و في البهائم . خروج 9

ضربة البرد الفاتكة
22 ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء ليكون برد في كل ارض مصر على الناس و على البهائم و على كل عشب الحقل في ارض مصر
23 فمد موسى عصاه نحو السماء فاعطى الرب رعودا و بردا و جرت نار على الارض و امطر الرب بردا على ارض مصر
24 فكان برد و نار متواصلة في وسط البرد شيء عظيم جدا لم يكن مثله في كل ارض مصر منذ صارت امة
25 فضرب البرد في كل ارض مصر جميع ما في الحقل من الناس و البهائم و ضرب البرد جميع عشب الحقل و كسر جميع شجر الحقل
26 الا ارض جاسان حيث كان بنو اسرائيل فلم يكن فيها برد خروج 9

ضربة الجراد
12 ثم قال الرب لموسى مد يدك على ارض مصر لاجل الجراد ليصعد على ارض مصر و ياكل كل عشب الارض كل ما تركه البرد
13 فمد موسى عصاه على ارض مصر فجلب الرب على الارض ريحا شرقية كل ذلك النهار و كل الليل و لما كان الصباح حملت الريح الشرقية الجراد
14 فصعد الجراد على كل ارض مصر و حل في جميع تخوم مصر شيء ثقيل جدا لم يكن قبله جراد هكذا مثله و لا يكون بعده كذلك
15 و غطى وجه كل الارض حتى اظلمت الارض و اكل جميع عشب الارض و جميع ثمر الشجر الذي تركه البرد حتى لم يبق شيء اخضر في الشجر و لا في عشب الحقل في كل ارض مصر خروج 10

ضربة الظلام
21 ثم قال الرب لموسى مد يدك نحو السماء ليكون ظلام على ارض مصر حتى يلمس الظلام
22 فمد موسى يده نحو السماء فكان ظلام دامس في كل ارض مصر ثلاثة ايام
23 لم يبصر احد اخاه و لا قام احد من مكانه ثلاثة ايام و لكن جميع بني اسرائيل كان لهم نور في مساكنهم خروج 10

ضربة قتل الاله لكل بكر فى مصر
29 فحدث في نصف الليل ان الرب ضرب كل بكر في ارض مصر من بكر فرعون الجالس على كرسيه الى بكر الاسير الذي في السجن و كل بكر بهيمة
30 فقام فرعون ليلا هو و كل عبيده و جميع المصريين و كان صراخ عظيم في مصر لانه لم يكن بيت ليس فيه ميت خروج 12

فبماذا يمكننا ان نصف هذا الاله العبرانى يهوه ؟
هذا الاله الذى تفنن فى تعذيب وابادة المصريين البشر , بل والبهائم والزرع ؟؟
يقول السواح عنه :

" ولعل اله العبرانيين يهوه من اكثر الالهة ولعا بالدماء والكوارث الشاملة " السابق ص 209

ونأخذ على الاستاذ فراس السواح انه تغاضى عن ذكر ( يهوه ) بصورته العربية الذى اطلق عليه القرآن اسم ( الله )

فان ( يهوه ) و ( الله ) وجهين لعملة واحدة , وما ( الله ) العربى الا نسخة كربونية من ( يهوه ) العبرى , ينطبق عليه كل وصف ليهوه من تعطش للدماء وتفنن فى انزال الكوارث والمصائب بالبشر والحيوانات والنبات

فان القرآن نسب ( لله ) – ذلك المعبود بثوبه العربى – كل الكوارث والمصائب والضربات التى انزلها يهوه بالمصريين لكن بدون تفاصيل , فمعظم الضربات الكارثية ذكرها القرآن اجمالا
ونفس قصة محاولات يهوه لاخراج شعبه اليهودى المختار كررها القرآن بتفاصيلها وان جعل القرآن سبب الضربات هو عدم ايمان الفرعون بالله ورسالة موسى , بينما فى التوراة يرجع سببها لرفض الفرعون لخروج اليهود من مصر ليعبدوا يهوه .

وقليل من التفكير فى هذا الامر يدل على ان السبب فى التوراة وفى القرآن لا يختلف كثيرا لان التوراة ارادت ان تقول ان شعب يهوه هم المؤمنين الحقيقيين والوحيدين , بينما المصريين كانوا يعبدون آلهة باطلة غير يهوه

وجدير بالملاحظة ان قصة ضربات يهوه الاسطورية فتحت الباب بمصراعيه لمؤلف القرآن فى ابتكار ضربات اخرى غير التى وردت بالتوراة قياسا على ما جاء بها

ولنلقى نظرة على ضربات ( يهوه ) بثوبه العربى للمصريين

فى الاعراف 133

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ

ففى هذه الاية نرى خمس ضربات , اربعة منهم هى نفس ما جاء بالتوراة عن يهوه العبرانى :

ضربة الجراد

ضربة القمل ( الذبان )

ضربة الضفادع

ضربة الدم

أما ضربة الطوفان التى جاءت وسط هذه الضربات فهى اما ان تكون من ابتكارات ومزايدات محمد التى استوحاها من الضربات التوراتية , واما فانها قد ترجع لسوء فهم لضربة الوباء الذى فتك بالحيوانات والمواشى , ونظرا لهذا اللبس والغموض فى هذه الضربة اختلف علماء المسلمين فى ماهيتها

فيرى ابن عباس ان " الطوفان " :

" كثرة الامطار المغرقة المتلفة للزرع والثمار "

ويشاركه هذا الرأى الضحاك بن مزاحم , وفى رواية اخرى لابن عباس :

" انه كثرة الموت "

ورأى ابن عطاء ذلك ايضا

اما مجاهد فقال ان الطوفان هو :

" الماء والطاعون على كل حال , وروت عائشة عن محمد ان الطوفان هو الموت"

ارجع لتفسير ابن كثير للاية.

ومن علماء الاسلام المحدثين نرى الشيخ العلامة عبد الله يوسف على صاحب الترجمة الانجليزية للقرآن والتى أقرها الازهر , يترجم الاية " فأرسلنا عليهم الطوفان ..."

So we sent ( plagues ) on them wholesale death

فهو لم يترجمها بكلمة الطوفان الانجليزية flood وانما ترجمها مستخدما كلمة plagues والتى تعنى الاوبئة ووضعها بين قوسين , وهو لا يكتفى بهذه الترجمة توضيحا للمعنى بل يضيف شرحا فى حاشية الصفحة يجعل من معنى الطوفان نفس المعنى التوراتى , فيقول :

Tufan : a widespread calamity , causing wholesale death and destruction. It may be a flood , or a typhoon , or an epidemic , among men or cattle . Perhaps the last is meant if we may interpret by the old testament story . see also Exod.ix : 3,9,15 . xii . 29

وهذه ترجمة تعليقه وتفسيره :

" الطوفان : كارثة على نطاق واسع ينتج عنها موت وهلاك شامل

ويحتمل انها تعنى طوفان او فيضان او اعصار او وباء يعصف بالبشر وبالمواشى

ومن المحتمل انها تعنى المعنى الاخير ( الوباء ) لو اخذنا بقصة العهد القديم فى سفر الخروج "

وبعد استعراض اراء المسلمين فى تفسيرهم لضربة الطوفان التى ذكرها القرآن , يمكننا ان نصل لهذه النتيجة :

اختلط الامر على محمد فى سرده لضربات الاله للمصريين ومن بين الضربات التى ذكرها اتفق مع رواية التوراة فى اربع ضربات , واختلط عليه الامر عندما ذكر ضربة الطوفان فظن ان الله انزل على المصريين طوفانا قياسا على طوفان نوح , ونظرا لمعرفة علماء ومفسرى القرآن بالرواية التوراتية فانهم فسروا ( الطوفان ) بانه الوباء الذى ضرب به الاله مواشى المصريين .

وننتقل الى باقى الضربات التى ذكرها القرآن على انها ضربات الله ( يهوه العربى ) للمصريين

جاء فى الاعراف 130

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

فهنا نرى ضربة مجاعة , حيث شاء الاله ان تقل الزروع
ويفسر ابن كثير :

" اى اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم بالسنين , وهى سنى الجوع بسبب قلة الزرع ونقص من الثمرات .. وقال ابو اسحاق عن رجاء بن حيوه : كانت النخلة لا تحمل الا ثمرة واحدة " ابن كثير ج 2 ص 230

والواقع ان هذه الضربة لم تذكر من بين الضربات الاسطورية التوراتية

ويبدو ان كثرة الضربات وتنوعها قد الهم خيال كاتب القرآن فاضاف ضربة تجويع المصريين وبهائمهم

جاء بالاسراء 101

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا

وكعادة علماء الاسلام , اختلفوا فى تحديد تلك التسعة آيات , وسبب الاختلاف هو ان القرآن فى هذه الاية حدد العدد بتسع , بينما اذا اتطلعت على سور قرآنية اخرى وقمت بعمل حصر للايات فستجد ان هناك اكثر من تسع آيات , فبسبب اختلاف القرآن اختلف علمائه ومفسريه , ولو كان غير مختلف لما اختلفوا فيه

فلقد روى القرآن اكثر من تسع آيات انى بها الاله على يد موسى وهارون وهى الايات :

1 – الطوفان

2 – الجراد

3 – القمل

4 – الضفادع

5 – الدم

6 – اليد البيضاء

7 – العصا

8 – شق البحر

9 – السنين

10 – نقص الثمرات

11 – تلقف العصا ما يأفكون

12 – الحجر الذى جرى منه الماء

ومحاولة من المسلمين ان يوفقوا بين هذه الايات الاثنا عشر مع قول القرآن انهن تسع آيات , اختلفت آرائهم فى تحديد التسع آيات

فقال ابن عباس ان التسع آيات هم :
" العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم "

وواضح انه تجاهل او اغفل عن آيات شق البحر والحجر وتلقف العصا ما يأفكون

( انظر ابن كثير ج 3 ص 65 )

وفى النهاية

قالت الاساطير القديمة ان الالهة رهيبة ودموية عندما تغضب , فتعصف وتهلك وتبيد ولا تأخذها شفقة او رحمة بانسان او حيوان او نبات

ومن وحى هذه الاساطير الكارثية صوّر العبرانيون معبودهم القومى يهوه بنفس الدموية والتخريبية فى اهلاكه للشعوب والبلاد , خاصة شعب مصر حيث حوّل مياه انهارهم وآبارهم الى دم وتفنن فى تعذيبهم بشتى التعذيبات مثل الاوبئة والجراد والذبان ( القمل ) والضفادع الخ

وكما اقتبس اليهود هذه الفكرة من التراث القديم الرافدى , اقتبس القرآن نفس الفكرة من التوراة , فجاءت صورة الاله العربى ( الله ) بنفس صورة الاله العبرى ( يهوه ) حيث اشتركا فى ولعهما وتفننهما فى الدموية والاهلاك الكارثى الشامل

ولا نبالغ اذا قلنا ان المعبود العربى ما هو الا صوره كربونية من المعبود العبرانى , كل ما هنالك هو اختلاف الاسماء لكن المسمى واحد

فالاله الدموى عند السومريين مثلته الالهة ( انانا ) او الاله ( انليل ) , وعند العبرانيين الاله ( يهوه ) وعند العرب الاله ( الله ).
---------

الدراسة الثانية

الاصل الاسطورى لفكرة الاديان ان النصر من عند الله

آمنت الشعوب القديمة ان آلهتها هى وراء نصر شعوبها فى حروبها مع اعدائها . فنجد هذا الاعتقاد القديم عند المصريين القدماء والسومريين والبابليين والاشوريين والكنعانيين .. الخ . وكانت الحرب بين شعبين هى بالدرجة الاولى حرب بين الهين , إلهين البلدين المتحاربين , وعندما انتصر احد الشعبين ارجع المنتصر هذا الانتصار لمساندة إلهه القومى وتأييده .

اما الطرف المهزوم فبرر الهزيمة بتخلى الاله عنهم بسبب تخاذلهم او عصيانهم او شرورهم او انحرافهم عن تعاليمه وتعليماته . ولقد انتقل هذا الاعتقاد الاسطورى الى الاديان الشرقية الابراهيمية اليهودية والمسيحية والاسلام .

لم يقرأوا – سواء الشعوب الاسطورية القديمة او مؤسسى الاديان واتباعهم - الواقع موضوعيا , لم يضعوا فى الاعتبار ان النصر حليف لمن يخطط جيدا للمعركة ولمن تحالفه الظروف الطبيعية والمناخية ولمن يدرس الوقت المناسب والمكان المناسب للمعركة ولمن يجهز جيدا عدة الحرب ولمن يجيد فنون المناورة والتكتيك الحربى ولمن يعبأ جنوده تعبئة نفسية معنوية تدفعه لتحقيق النصر عن طريق الهاب الحماس والوعد بالمكافأة المادية ( من غنائم واسلاب ) او المعنوية ( من وعود أخروية ) , ولمن يبث فى عقول جيشه مبادئ التضحية من اجل الوطن او من اجل هدف قومى او دينى تهون النفس من اجل تحقيقه . لقد جهلوا او تجاهلوا ان لا دخل للاله او الالهة بهذا الشأن .

فكما ان الاله البابلى " مردوخ " كان ينصر اتباعه وشعبه من البابليين على اعدائهم , كان " يهوه " اله اسرائيل ينصر اليهود على اعدائهم , وكان "الله " اله العرب ينصر اتباعه ورسوله والمؤمنين فى حروبهم وغزواتهم ضد الاعداء الكفار الظالمين اعداء الاسلام .

وكما تأثر الفكر الدينى بالاساطير القديمة فى تفسيرها الاسطورى للكوارث الطبيعية التى تحل بالبلاد باعتبارها نتيجة حتمية لغضب الاله او الآلهة على اهل البلاد الظالمين والفاسقين , كذلك تأثر الفكر الدينى باسطورة وقوف الاله فى صف شعبه والمؤمنين به حتى ينصرهم على القوم الظالمين من وجهة نظرهم .

هذه الحقيقة لخصها استاذ السومريات د . فاضل عبد الواحد على عند حديثه عن اسهامات الفكر الرافدى واثره على المعتقدات الدينية اللاحقة , يقول :

(( مع كل الاستعدادات التى كانت تستحضر للمعركة على صعيد الاعداد والتخطيط والتجهيز , فقد كان الايمان عميقا , وفى كل العصور , بان النصر من صنع الالهة , واى كان الملك المنتصر وفى اى عصر فانه لا يعزو نصرا حققه الا الى اسناد الاله وعونه , كأن يكون الاله " ننكرسو " فى زمن الامير " ايناتم " من " لكش " , والاله " مردوخ " فى زمن " نبوخذ نصر الاول " ملك بابل , و" عشتار " و" آشور " فى عهد الملوك الاشوريين . ))

( من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 89 )

ويضيف مؤكدا على تغلغل هذه الفكرة عند الشعوب القديمة :

(( كان الثبات واستذكار الآلهة وقت الظروف الحرجة من المعتقدات الاساسية عند القائد . يقول الملك الاشورى " سنحاريب " فى هذا الشأن ان العيلاميين زحفوا لملاقاته عند مدينة " حالوله " على نهر دجلة , وانهم بدوا له ولجنده وكأنهم جراد , وان الغبار المنبعث من اقدامهم ارتفع سحابة سوداء فوق ارض المعركة .

ويعترف سنحاريب بان العيلاميين سدوا عليه الطريق , وانه عندئذ راح يدعو الالهة : سين و شمش وبعل ونابو ونركال وعشتار , لتنصره على اعدائه . ثم يقول سنحاريب ما نصه :

" لقد استجابت الالهة لدعائى فجاءت مسرعة لعونى , وعندئذ انقضضت على اعدائى كالأسد الهصور ." ))

( المرجع السابق ص 89 )
ويؤكد ايضا الاستاذ محمد بيومى مهران نفس الفكرة فيقول :

(( ان الحكام السومريين انما قد ردوا انتصاراتهم الى اربابهم , كما حرصوا على استفتاء وحيهم وطلب عونهم ))

( تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 110 )

وقبل ان نناقش ونحلل النصوص الدينية المقدسة للاديان والتى تأثرت بهذه العقيدة الاسطورية والتفسير الاسطورى للصراعات وللحروب بين الشعوب ونتائجها من نصر وهزيمة , نعرض اولا بشئ من التفصيل اصل هذه الافكار الاسطورية عند الشعوب القديمة ونوثق لها من النصوص القديمة التى اكتشفت فى العصر الحديث وقام علماء الاثار واللغات القديمة بتحقيقها وترجمتها.

اولا : عند المصريين القدماء
لقد آمن المصريون القدماء ان النصر من عند الاله يهبه لاتباعه ولشعبه المؤمنين به , وسندلل على هذه الحقيقة بعدة امثلة من نصوص عقائد وتاريخ مصر كما ترجمها ولخصها العلماء و الباحثون المتخصصون

1 – استطاع امراء طيبة هزيمة الهكسوس الطغاة الذين احتلوا مصر فى حوالى القرن السابع عشر قبل الميلاد , وتمكنوا من طردهم من البلاد , وما تحقق هذا النصر الا بعون الاله " آمون " الذى هو صاحب النصر الحقيقى كما تذكر ذلك النصوص المصرية القديمة .

يعلق استاذ المصريات إرمان على نتائج هذا النصر :

(( وقد اقام فراعنة القرنين السادس عشر والخامس عشر والاسرات اللاحقة معابد طيبة الفخمة للاله " آمون رع " ... رمزا لتقديرهم وعرفانهم بسبب ذلك النصر الذى قادهم اليه ))

( ديانة مصر القديمة , ارمان , ص 121 )

وكان الامير " كامس " الاخ الاكبر للامير احمس من الذين خرجوا لطرد الهكسوس وجاء على لسانه فى احدى النصوص القديمة :

" أبحرتُ فى عزم لأُجلى الهكسوس وفقا لامر آمون ذى الرأى الرشيد "

( الشرق الادنى القديم . الجزء الاول . مصر والعراق , القاهرة 1967 , عبد العزيز صالح, ص 192 )

وهكذا يتضح ان امراء طيبة الذين خاضوا الحرب والمصريين الذين سعدوا بجلاء الهكسوس , جميعهم كانوا يعتقدون ان النصر كان من عند آمون .

2 – الاله آمون ينصر تحوتمس الثالث على اعدائه فى آسيا.

توجه توحتمس الثالث , وهو " اعظم رجال الحرب من الفراعنة المصريين " كما وصفه الاستاذ عبد العزيز صالح فى كتابه ( تاريخ الشرق الادنى ) ص 208 , الى آسيا سنة 1468 ق م مع جيشه الذى بلغ عدده من عشرة آلاف الى خمسة آلاف جندى . وكان الجيش يثق ويؤمن تماما ان الاله آمون سينصرهم على اعدائهم

يقول قادة الجيش لتحوتمس فى طريقهم لارض المعركة :

" ليساعدك ابوك آمون , وها نحن فى معيتك سائرون اينما سرت "

وبالفعل حقق توحتمس انتصارات عظيمة هناك ( انظر تفاصيل المعركة فى : تاريخ الشرق الادنى . عبد العزيز صالح , ص 208 – 211 ).

ويعلق ارمان على تغلغل عقيدة نصر الاله آمون لتوحتمس :

(( وحين يقود توحتمس الثالث واحلافه جيوشهم فى آسيا , فليس يتم ذلك الا لان الاله آمون ابوهم قد اعد لهم هناك انتصارات ))

( ديانة مصر القديمة , ادولف ارمان , ترجمة عبد المنعم ابو بكر , ص 174 )

3 – الاله آمون يزهق الباطل وينصر الحق

بعد ان اعتلى اخناتون عرش مصر واقام عاصمة ملكه فى تل العمارنة , قام بنشر دعوته التوحيدية الجديدة والتى ملخصها "
" ان لا اله الا آتون " , الاله الواحد الذى لا شريك له فى الملك .

فانكر اخناتون جميع الالهة الاخرى وقام بمحو اسمائها من المعابد المصرية خاصة اسم الاله آمون.

ولما مات اخناتون واستولى على العرش ملوك كانوا يؤمنوا بآمون , تحالف هؤلاء الملوك مع كهنة آمون وأذاعوا بين الشعب ان آمون هو الذى قضى على هذه الهرطقة ( الكفر ) الاخناتونية , وهو الذى نصرهم على هذا الكفر المبين .

ويذكر ارمان ان اتباع آمون اطلقوا على اخناتون لقب " مجرم تل العمارنة " , وعن اختفاء نجم آتون وبزوغ فجر آمون ينقل ارمان نص انشودة كهنة آمون وفيها ينشدون فى ابتهاج مخاطبين الإله آمون :

(( الويل لمن يمسّك

لقد اسست مدينتك خير تأسيس

ولكن ذلك الذى حاول المساس بك قضى عليه

الخزى لمن يسئ اليك فى اى بلد كان

ان شمس من لا يعرفك قد غربت

اما من يعرفك فيضئ

ان معبد من مسّك فى ظلام

واما الارض كلها ففى النور ))

ويعلق ارمان :

(( وآتون الذى كان طاغيا عليها قد غلب على امره , ولكن الواقع كذلك ان طاغية آخر قد حل محله هو " آمون رع " , ومن البديهى ان يحدث ذلك , أليس اليه والى مدينته يرجع الفضل فى الانتصار فى المعركة ضد الهرطقة ؟ ( دعوة اخناتون ) فبفضله أحرق عدو رع حتى استحال الى رماد ))

(( ديانة مصر القديمة , ادولف ارمان , ترجمة عبد المنعم ابو بكر , ص 149 )


4 – جاء فى ادب الحكمة المصرى ما يفيد ان النصر من عند الله

يقول الحكيم " أمينموبى " :

" فى كل مشاجرة ومشاداة مع اعدائك لا تضع كل ثقتك فى نفسك , بل اترك نفسك بين ذراعى الاله "

( ديانة مصر القديمة , ادولف ارمان , ترجمة عبد المنعم ابو بكر , ص 183 )


ثانيا : ان النصر من عند الله
عند شعوب ارض الرافدين القديمة Mesopotamia

1 – جاء بملحمة جلجامش الاعتقاد الشائع عند السومريين والبابليين ان النصر من عند الالهة , ولقد تكررت هذه الفكرة عدة مرات فى نصوص الملحمة .

فعندما قرر جلجامش ان يقضى على " خمبابا " ( او : حواوا فى قراءة مسمارية اخرى ) وهو رمز قوى الشر ( الذى صار الشيطان او ابليس فى الاديان ) , وهو وحش رهيب يحرس غابة الارز , ابلغ جلجامش شيوخ وحكماء مدينته بقراره , وبعد فشل الشيوخ فى اثنائه عن قراره , لم يجدوا سوى الدعاء له بان ينصره الاله " شمش " على عدوه الشرير .

يقول الشيوخ لجلجامش الملك العظيم :

" لا تتكل على قوتك وحدك يا جلجامش ..

وعسى شمش ان يجعلك تنال رغبتك

وعساه ان يُرى عينيك ما قاله فمك

وان يفتح لك السبيل المسدود

ويفتح الطريق لمسراك

ويمهد مسالك الجبال لقدميك "

( من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 124 )

وترجم فراس السواح نفس هذه الفقرة من الملحمة :

" لا تعتمد على قوتك يا جلجامش

وليهبك شمش من لدنه نصرا ...

وليقف الى جانبك " لوجال بندا " فى نصرك "

( قراءة فى ملحمة جلجامش , فراس السواح , دار سومر للدراسات والنشر , طبعة اولى , ص 128 )

بعد ذلك تروى الملحمة ان جلجامش ذهب لوالدته لتباركه قبل معركته المصيرية مع الشر , فما كان من الام الا انها خاطبت الاله شمش متوسلة اليه ان يحفظ ابنها وينصره على عدوه ويعيده الى وطنه سالما مظفرا :

تخاطب الام الاله شمش :

" علام أعطيت ولدى جلجامش قلبا مضطربا لا يستقر

والان وقد حثثته فاعتزم سفرا بعيدا الى موطن خمبابا

فانه سيلاقى نزالا لا يعرف عاقبته

ويسير فى طريق لا يعرف مسالكها

فحتى اليوم الذى يذهب فيه ويعود

وحتى يبلغ غابة الارز

ويقتل خمبابا المارد

ويمحو من على الارض كل شر تمقته

عسى ان توكل به حراس الليل والكواكب وأباك الاله سين

حينما تحتجب انت فى المساء "

( من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 124 )

ويلاحظ من النص الاخير اعتقاد الام ان الالهة كلفت ابنها جلجامش بالقضاء على الشر على الارض فلذلك تستحث الالهة بمساندته ونصرته فى هذه المعركة

اما عن احداث المعركة الرهيبة التى دارت بين جلجامش وخمبابا فيلخصها د . فاضل عبد الواحد ويعلق عليها :

(( ثم هجم خمبابا على الصديقين ( جلجامش وانكيدو ) اللذين اصيبا بالذعر لهوله وشدة بأسه . فاخذا يتضرعان للاله شمس عسى ان يمد لهما العون . وسرعان ما استجاب شمس لدعوتهما فسخر لهما الريح العاتية التى اوهنت قوى خمبابا وشلت حركته ))

( من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 125 )

اما ان اردنا ان نقرأ ما جاء بنص الملحمة نفسه , فها هو النص كما ترجمه فراس السواح , على لسان جلجامش الذى يذكر كيف أيده الاله بالنصر فسخر له الريح التى قضت على عدوه :

" نزلت دموعه مدرارا

صاح جلجامش مخاطبا شمش السماوى :

لقد تبعت شمش السماوى

وسرت فى الطريق التى قدرت لى .

سمع شمش السماوى صلاة جلجامش

فهبت فى وجه حواوا ( خمبابا ) رياح عاتية

الريح الكبرى , ريح الشمال , وريح الجنوب , وريح الزوبعة

ريح العاصفة , وريح الصقيع , وريح الاعصار

والريح اللافحة

رياح ثمانية هبت فى وجهه

وضربت عينى حواوا

لم يعد قادرا على التقدم

لم يعد قادرا على التقهقر

وهكذا اعلن الاستسلام "

( قراءة فى ملحمة جلجامش , فراس السواح , دار سومر للدراسات والنشر , طبعة اولى , ص 145 )

وهكذا انتصر جلجامش على الوحش خمبابا ( حواوا ) رمز الشر , وما تحقق النصر لجلجامش الا بمساعدة الاله الذى استجاب لدعاء جلجامش ونصره على عدوه بان ارسل على الوحش الرياح العاتية التى قضت عليه .

وارسال الرياح العاتية من قِبل الاله هى من الافكار الاسطورية الغارقة فى القدم التى فسر بها القدماء الكوارث الطبيعية والهلاك الذى يحل بالبلاد فيدمرها تدميرا , ولقد ورثت الاديان نفس التفسير الاسطورى فى تعليلها لزوال القرى والمدن القديمة

2 – الاله " ننجرسو " ينصر الملك " اياناتوم " Eannatum العراقى , من اسرة " لجش " الاولى ( 2520 – 2371 ق م ) فى معركته مع اعدائه

تفاصيل هذه المعركة ينقلها د . محمد بيومى مهران عن المراجع العلمية الاثرية التى وردت فيها ترجمات للنصوص المسمارية القديمة , يقول :

(( قام اياناتوم بحملة على مدينة " أوما " فاوقع بها هزيمة منكرة ..
ويبدو ان المعركة أشهرت بكلمة من " ننجرسو " – محارب انليل – وان اهلاك اهل أوما انما تم بتدخل من انليل نفسه , ذلك المعبود الهام الذى تتركز عبادته فى " نيبور " , وصاحب الكلمة الاخيرة فى اعطاء النصر لمن يشاء , وان اياناتوم كان قد تضرع قبل بدء القتال الى ننجرسو ملتمسا عونه ومشورته , وقد تجلى ننجرسو لاياناتوم , واعلنه انه هو المختار للانتقام والاخذ بالثأر , وانبطح اياناتوم على وجهه , وشهد رؤية , شهد ننجرسو نفسه يقف الى جانب راسه ويعده بالنصر على اعدائه , وان " بابار " اله الشمس سيضئ المدينة , ويقف الى يمينه ليشد أزره , وقام اياناتوم لينفذ ما امر به المعبود , وتقدم جيوشه الى أوما .
ودارت المعركة بين الفريقين وسرعان ما انتهت بنصر مبين للملك اياناتوم على عدوه ))

( تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 106 – 107 )

3 – الاله انليل ينصر الملك " اوتوخيجال " على اعدائه الجوتيين الطغاة الذين غزوا سومر واذلوها

جاء فى احدى النصوص السومرية المعروف باسم ( نص اوتوخيجال ) :

" فوض الاله انليل ملك البلاد , الرجل العظيم اوتو خيجال ( اوتو حيكال ) ملك الوركاء , ملك جهات العالم الاربع , الملك الذى لايخالفه احد , امره انليل ان يحطم اسم الجوتى ( الكوتى ) , افعى وعقرب الجبال الذى رفع يده ضد الالهة , الذى نقل ملكية سومر الى بلاد اجنبية , وملأ بلاد سومر بالعداوة , الذى ابعد الزوجة عمن كانت له زوجة , وابعد الطفل عمن كان له طفلا , والذى اقام العداوة والعصيان فى البلاد "

فهنا نرى الاله يختار رسوله اوتو خيجال ويكلفه بالقضاء على الشعوب الظالمة . وللمزيد من تفاصيل القصة ونصها السومرى ارجع الى تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 168 - 169 )

4 – الاله مردوخ ينصر حمورابى على اعدائه

تذكر النصوص السومرية ان حمورابى الملك العظيم اخذ اوامره من الالهة وقام بشن حروب على بعض المدن والممالك المجاورة , يقول مهران نقلا عن النصوص السومرية :

(( وطبقا لرواية الاخبار السنوية , فلقد دمر حمورابى " توبلياش " Tupliasch ( وتعنى هنا أشنونا ) بكميات هائلة من المياه بأمر من مردوك ...))

( تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 224 - 225 )

5 – الاله " انليل " والاله "آنو " نصرا حمورابى على مملكة مارى

(( وبأمر من آنو وانليل دمر حمورابى سور مارى ثم هاجم المدينة واحرق قصر ملكها .. واستولى على المناطق التابعة لها ))
( تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 225 )

6 – نصوص سومرية وأكدية ينسب فيها حمورابى انتصارته الى مساندة الالهة

يقول حمورابى :

" قتلت المعاديين لى وحطمت اسلحتهم وخربت ديارهم , واخذت سكانها اسرى , ودمرت قواتها , وركع تحت قدمى اولئك الذين لم يقدموا لى فروض الطاعة . انا الملك الذى نفذ رغبة الاله مردوك ( مردوخ ) فى القتال , والذى وهبه القوة المدمرة للعدو , لقد طردت المعتدين واقتلعت بذور الشر من بلادى , وجعلت الناس ينعمون بالرخاء "

( تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 227)

7 – الاله مردوخ البابلى ينصر الملك نبوخذ نصر الاول ( رسول الاله ) ( 1124 – 1103 ق م ) على اعدائه العيلاميين

جاء بوثيقة النصر التى يدون فيها نبوخذ نصر انتصاره على العيلاميين ويصف نفسه فى هذه الوثيقة بانه : التقى والمختار وملك الحق الذى ينطق بالعدل ومحبوب الاله مردوخ , ويؤكد نبوخذ نصر ان الاله ارسله للقضاء على العيلاميين الاشرار وان الاله هو الذى نصره عليهم .

وهذه مقتطفات من وثيقة النصر على لسان نبوخذ نصر:

" نبوخذ نصر النبيل التقى

المختار سليل بابل ..

ملك الحق الذى ينطق بالعدل

البطل الصنديد الذى كرس كل جهده للمعركة..

الامير محبوب الاله مردوخ

عندما ارسله ملك الالهة مردوخ

فقد جعله يحمل سلاحه من اجل الانتقام لأكد ..

تقدم الملك العظيم والالهة تسنده

أجل ! لقد واصل نبوخذ نصر زحفه بصورة منقطعة النظير ..

وبأمر من " عشتار " و " أدد " إلهي الحرب

فقد هرب " خولتيلوديش " ملك عيلام واختفى الى الابد

وهكذا خرج نبوخذ نصر منتصرا من المعركة

فاستولى على بلاد عيلام واخذ غنائمها "

( من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 101 – 102 )

8 – الاله " أيا " اله الحكمة السومرى ينصر الملك " نرام سين " حفيد سرجون العظيم على اعداء البلاد

يقول الاستاذ فاضل عبد الواحد ان فى نصوص ذلك الملك انه وصف بانه ( ملك صالح ) تعرضت بلاده لغزو : " اقوام جبلية متوحشة اكتسحت مناطق واسعة من الشرق الادنى القديم "

ولقد ساد الذعر فى قلوب الناس واحتاروا فى شأن الغزاة : " هل كانوا من البشر أم الجن ؟ "

وتعرض جيش نرام سين لكوارث متواصلة .

" الا ان تدخل الالهة وخاصة اله الحكمة أيا , ساعده فى نهاية الامر على صدهم وتخليص البلاد من شرورهم ".

( من سومر الى التوراة , فاضل عبد الواحد على , ط 2 , سينا للنشر , ص 105 )

9 – الآلهة الاشورية نصرت الملك الاشورى " توكلتى نينورتا " على البابليين فى القرن 13 ق م . ولم تكتف الالهة بنصره وتأييده المعنوى بل شاركت فى المعركة وسارت على رأس ومقدمة جيوشه لتحقق النصر له .

جاء بنقش آشورى ما سجله الملك " توكلتى " على لسانه شارحا كيف انتصر على بابل :

" معتمدا على " آشور " و " انليل " و " شمش " , الآلهة العظمى , سادتى , وبمساعدة " عشتار " , ملكة السماء والارض , التى سارت على رأس الجيش , واجبرت " كاشتلياش " حاكم " كار دونياش " ( بابل ) على القتال , وهزمت كتائبه وقهرت جيشه , وفى وسط المعركة قبضت يداى على كاشتلياش الملك الكاشى , وداست اقدامى رقبته الملكية كانها مسند قدم , واحضرته اسيرا مقيدا أمام " أشور " سيدى , ووضعت سومر وأشور الى ناحية حدودهما تحت سلطانى "

( تاريخ العراق , محمد بيومى مهران , ص 346 ,
و مقدمة فى تاريخ الحضارات القديمة . القسم الثانى . تاريخ العراق القديم , لطه باقر بغداد 1955 ص 176
والشرق الادنى القديم . الجزء الاول . مصر والعراق , القاهرة 1967 , عبد العزيز صالح ص 502 )

10 – جاء فى حوليات " تجلات بلاسر " Tiglath Pileser ( 1115 – 1077 ق م ) الملك الاشورى ان الاله " آشور " واربابه العظام منحوه البأس والسلطان وأوحوا اليه ان يعمل على توسيع حدود مملكته . وبرر حروبه وغزواته وغنائمه وفرضه الجزيه على الشعوب المغلوبه بان هذا كان بامر ووحى الالهة .

يقول مهران :

(( زعمت حوليات تجلات بلاسر الاشورى ان أشور واربابه العظام منحوه البأس والسلطان , واوحوا اليه بان يعمل على توسيع حدود ارضهم , ومن ثم فقد اخضع اثنين واربعين شعبا , وحارب ستين ملكا وانتصر عليهم , ...

ثم هاجم ارض خاتى الكبرى وفرض الجزية على ملكها " ايل تشوب " وغزا الصحراء بخيله ورجاله , وبعون من ربه آشور .))

( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 349 )

11 – الاله آشور ينصر الملك الاشورى الدموى " اشور ناصر بال الثانى " ( 883 – 859 ق م ) ويؤيده فى غزو البلاد وقتل اهلها وقتل الاسرى

فى احد الالواح التى عثر عليها فى معبد نينورتا فى مدينة كالح جاء هذا النص على لسان الملك الاشورى وهو يحكى عن احدى حملاته العسكرية :

" لقد قتلت 600 من العساكر بحد السيف , واحرقت بالنار ثلاثة الاف اسير , ولم ابق على احد منهم حيا ليصبح رهينة فى يدى , وقد وقع امير المدينة اسيرا فى يدى , لقد كومت جثثهم حتى صارت فى علوها وكأنها برج , واحرقت فتيتهم بالنار , واما الملك فقد سلخته وعلق جلده على جدار مدينته دامداموسا , وام المدينة نفسها فقد دمرتها وحرقتها بالنار "

( الساميون فى العصور القديمة , د . محمد عبد القادر محمد , القاهرة 1968 , ص 218
و تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 363 )

ويعلق مهران :

(( والواقع ان الاشوريين كما صوروا انفسهم انما كانوا اشرس الشعوب الشرقية القديمة فى معاملة اعدائهم , وهكذا وكما راينا من النص السابق , فلقد صبغت نصوص هذا الفاتح الاشورى انتصاراته بطابع القسوة الشديدة , فتحدثت عن ان رجاله كانوا يسلخون جلود كبار الاعداء احياء , ويثبتونها على آثارهم وابواب عاصمتهم بالمسامير , وكانوا يعذبون بعضهم على الخوازيق , ويقطعون ايديهم , ويجمعون جماجمهم فى اكوام , ثم يحرقون مئات من الاسرى , ولا يستثنون النساء , ويجدعون انوف آخرين , ويصلمون آذانهم , ويبترون اصابعهم , ويفقأون اعينهم , وان لم تمنع امثال هذه المعاملة أشور ناصر بال الثانى من ان يشيد بفضل اربابه فى تأييده , ويكرر اهتمامه بتقديم القرابين اليهم "

( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 364 )

وصدق من قال ان التاريخ يكرر نفسه
فهذه الواقعة الدموية الهجية تكررت بعد اكثر من الف وخمسمائة سنة بتشابه كبير فى تفاصيلها ومبرراتها عندما قام محمد بعملية ابادة جماعية لقبيلة بنى قريظة اليهودية . لقد حاصر المدينة اليهودية فى يثرب لما يقرب من شهر بناء على امر الهى بلغه له جبريل , وبث الرعب فى قلوب سكانها لدرجة ان سكانها اليهود عرضوا عليه ان يأخذ كل ثرواتهم وارضهم وان يرحلوا عن ديارهم بلا رجعة مقابل الا يقتلهم , لكنه اراد ان يضرب عصفورين بحجر واحد : يقتلهم ويتخلص من خطرهم وفى نفس الوقت يستولى على كل شئ من ممتلكاتهم , لذلك قرر ابادتهم وامر بحفر حفرة كبيرة , وامر بقطع رقاب جميع ذكورهم البالغين ( كل من انبت ) وبلغ عددهم باقل تقدير 600 رجل , والقيت الجثث والرقاب فى الحفرة التى صارت مقبرة جماعية .اما النساء والاطفال فلقد ابقاهم ولم يقتلهم لكى سيتفيد منهم ماديا , فبعض النساء وزعها غنائم على رجاله وجنوده وصارت ملك يمين لهم , وبعض النساء الاخرى باعهن واشترى باثمانهن سلاح لجيوشه , اما الاطفال فوزعهم كعبيد للسادة المسلمين , وكما ان الملك الاشورى " آشور ناصر بال الثانى " برر جرائمه الانسانية ومقابره الجماعية زاعما ان ما قام به ما هو الا أمر من الاله آشور , فكذلك برر محمد جرائمه الانسانية وابادته الجماعية لقريظة ان ما اصابهم هو حكم الله عليهم " من فوق سبعة ارقعة "

12 – الاله آشور ينصر الملك الاشورى " شلمنصر الثالث " Shamaneser iii ( 858 – 824 ق م ) على اعدائه من اثنى عشر مملكة كانت اسرائيل من بينهم

جاء على لسان الملك فى احدى النصوص وهو يحكى عن حملته العسكرية :

" حينما اقتربت من حلب خشى اهلها الحرب وارتموا على قدمي فتلقيت جزاهم فضة وذهبا ...
ثم واصلت المسير الى قرقر فدمرتها ومزقتها وحرقتها , وكان اميرها قد استنجد بالف ومائتى عجلة حربية ... والف عربة وعشرة آلاف من مشاة أخاب من ارض اسرائيل .... وكلهم اثنا عشر ملكا تأهبوا لملاقتى فى معركة حاسمة , فقاتلتهم بقوات أشور العظيمة التى هيأها لى مولاى آشور , وبالاسلحة التى قدمها لى مرشدى " نرجال " ..واوقعت بهم الهزيمة "

(( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 375 )

13 – الاله آشور والارباب الاخرى نصرت سرجون الثانى Sargon ii ( 722 – 705 ق م ) على اعدائه , ويزعم سرجون انه ما حارب وما غزا البلاد الاخرى الا طاعة لاوامر الالهة

يلخص مهران ما جاء بالوثائق الاشورية القديمة :

(( ثم تصف الوثيقة سرجون بانه جد حريص على طاعة قوانين شمش وانه يصغى باجلال الى كلمات الالهة الكبار ولا يتجاوز وصاياها وانه مستقيم ورحيم ويكره الباطل ولا ينطق بسوء "

(( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 393 )

14 – الاله " آشور " ينصر الملك " آشور بانيبال " Ashurbanipal ( 668 – 627 ق م ) واسمه يعنى ( الاله آشور خالق الابن )

يقول هذا الملك الاشورى عن نفسه فى احدى الوثائق الاشورية :

" انا اشوربانيبال , الكاهن المقدس , الخادم والدائم للصلاة والابتهال الى الالهة , ذلك الذى صاغته يد الاله آشور نفسه ...

وحرض سكان بلاد العرب على الانضمام له , ثم اخذ ينهب الشعوب التى منحنى اياها آشور وعشتار وبقية الالهة العظام لتصبح تحت قبضتى ولاكون راعيا لها ."

(( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 425 )
وعن غزوه لبلاد العرب بامر الاله آشور جاء باحدى الوثائق الاشورية على لسانه :

" اشتدت عليهم وطأة الجوع والعطش , ولكى يسدوا رمقهم اكلوا لحوم صغارهم وشقوا الجمال وشربوا دمائها , كما شربوا الماء الملوث ليطفؤا ظمأهم . ولم يفلت احد ممن صعدوا الى الجبل او اختبأوا فى البلاد من يدى , بل امسكت بهم فى يدى فى مخابئهم رجالا ونساءا , فضلا عن الحمير والجمال والماشية , واخذتها كلها غنيمة الى أشور , وقد ملأوا الارض التى منحنى اياها أشور الى اقصى اتساعها , ورتبت قطعانا , ووزعت الجمال – وكأنما هى ماشية – على اهل اشور , حتى ان الجمل كان يُشترى فى بلادى باقل من شاقل من الفضة فى السوق , هذا فضلا عن العمال انما كانوا ياخذون الجمال والعبيد كهدايا , وصناع الجعة كمنحة , والبستانى كاجر اضافى .
وقد سأل اهل بلاد العرب بعضهم بعضا : ما بال العرب قد احدق بها الشر ؟
فكان الجواب : تلك عاقبة من ينكث بالعهد , ويخرق المواثيق التى قطعناها للاله آشور , ويعاند اشوربانيبال الملك الذى يحبه الاله انليل "
( مصر والشرق الادنى القديم , نجيب ميخائيل ص 306
و تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 426 )

أما بعد

بعد هذه الجولة فى نصوص تراث منطقة الشرق الاوسط القديم سواء نصوص تاريخية وثائقية او نصوص دينية اسطورية , وبعد تقديم امثلة كثيرة يمكننا ان نصل الى هذه النتائج التى ننلخصها فى عدة نقاط :

1 – لامجال للشك انه كان عند الشعوب القديمة , المصريين القدماء والرافديين من عراقيين وسوريين وغيرهم ( شعوب ما قبل الاديان الابراهيمية والمعروفة باسم الاديان السماوية ) , كان شائعا عندهم الايمان والاعتقاد بان النصر من عند الاله او الالهة . فكل شعب سجل مؤرخوه وكهنته ان معبودهم او معبوداتهم كانت تقف ورائهم وتوآزرهم وتنصرهم على اعدائهم من الشعوب الاخرى

2 – ان القدماء لجأوا لهذا التفسير الدينى لاحداث التاريخ لاعتقادهم بتدخل آلهتهم فى مجريات الاحداث وذلك تبريرا لسياساتهم العسكرية الطموحة واطماعهم المادية . فلقد كان الطموح فى فتح وغزو البلاد وتوسيع رقعة المملكة والاستيلاء على الغنائم والثروات وتحصيل الاتاوات والجزية ونقل الخيرات من ماشية ومحاصيل , كانت هذه الدوافع وغيرها وراء غزو الملوك الاقوياء للممالك المجاورة .

حدث هذا مع تحوتمس الثالث عندما اراد ان تتسع مملكته حتى حدود آسيا

وحدث هذا مع معظم الملوك السومريين والبابليين والاشوريين امثال حمورابى ونبوخذ نصر وسنحاريب وآشوربانيبال .

3 – كان الملك الفاتح يبرر حروبه وجرائمه ضد الشعب المحتل زاعما انه مرسل ومكلف من الاله بنشر العدل والحق فى البلاد التى كان يستولى عليها , وكان يروج ان تلك البلاد – بلاد الاعداء – قد وصلت لذروة الشر والظلم والطغيان , فكان يتخذ من هذا الاساس ذريعة وتبريرا للحرب

وخير مثال على ذلك هو تبرير الملك الاشورى " اسرحدون " ابن الملك سنحاريب لقيام ابيه الدموى الهمجى بالحروب مع الامم المجاورة وسحقها وابادة شعبها على اساس انهم كانوا امما ظالمة طاغية شريرة اختفت من بينهم قيم الاخلاق والتقوى وسادت بينهم الرذيلة والفساد فكان الولد يسب اباه وكان القوى يذل الضعيف وساد بينهم النهب والرشوة والطغيان .

يقول اسرحدون فى احدى الوثائق مببرا غزو ابيه لبلاد بابل ونهب ثرواتها :

" لقد كانوا من قبل يذلون الضعيف , وشاع الطغيان فى مدينتهم والرشا والنهب , وكان الولد يسب اباه فى الطريق , والعبد يهين مولاه , والجارية تعصى سيدتها , ولقد عطلوا القرابين , ووضعوا ايديهم على كنوز " اساجيل " ( معبد الارباب ) وباعوا الفضة والذهب والاحجار الكريمة منه الى عيلام , فغضب " مردوك " .. ودبر امره على قهر البلاد وتشتيت اهلها "

( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 403
و الشرق الادنى القديم . الجزء الاول . مصر والعراق , القاهرة 1967 , عبد العزيز صالح, ص 526 )

ويصف الدكتور محمد بيومى مهران هذا التفسير الدينى بانه : " منطق المنتصر المعوج " ( ص 402 )

وذلك لانه يتشح برداء الدين والاخلاق والمثل بينما يخفى ورائه الاطماع السياسية والعسكرية والاقتصادية .

كما راينا ذلك فى مزاعم الملك حمورابى انه أخذ اوامره من الاله مردوخ بمحاربة اعدائه الذين زرعوا بذور الشر فكان جزائهم القتل

4 – لجأ القدماء لهذا التفسير الدينى فى بعض الاحيان لنصر العقائد القديمة الموروثة ازاء محاولات الاصلاح الدينى التى حاولت الارتقاء بالفكر الدينى وتحريره من كثير من العناصر الخرافية

خير مثال لذلك ما اذاعه كهنة الاله آمون بعد موت اخناتون صاحب دعوة التوحيد وانكار تعدد الالهة , حيث ارجعوا اخفاق دعوته الى دور " الاله الحق " آمون الذى قضى بنفسه على تلك الهرطقة ( الكفر ) ونصر اتباع آمون نصرا مبينا

5 - زعمت الاساطير القديمة ان الالهة كانت تنصر شعوبها القديمة فى غزواتها وحروبها عن طريق تسخير الظواهر الطبيعية للملك وللجيش الغازى , فكانت تسخر تلك الظواهر الطبيعية سلاحا فتاكا فى ايدى من رضت عنهم الالهة


رأينا ذلك فى ملحمة جلجامش حيث سخر الاله " شمش " الرياح العاتية لتساند جلجامش فى القضاء على خمبابا الوحش الشرير ( الشيطان ) .

6 – زعم الملوك الغازيين لبلاد غيرهم ان الاله اوحى اليهم عن طريق الرؤى وامرهم بغزوها وقتل سكانها ونهب ثرواتها

رأينا هذا مسجلا فى سجلات الملك اياناتوم الذى زعم ان الاله " ننجرسو " جاءه فى رؤية وامره بمحاربة مدينة اوما ووعده بالنصر

7 – بالرغم من دموية وهمجية الملوك الغازيين واباحتهم سفك الدماء واحتلال بلاد الاخرين وارتكاب ابشع الجرائم الانسانية الا ان النصوص القديمة سجلت لهؤلاء الملوك انهم رسل الالهة وانهم مختاريهم وانهم عادلين ورحماء !!

فنبوخذ نصر كان بحسب الوثائق التى سجلت انتصاراته :

ملك الحق الذى ينطق بالعدل و الامير محبوب الاله مردوخ

والملك البابلى نرام سين كان :

الملك الصالح

والملك سرجون الثانى :

مستقيم ورحيم ويكره الباطل ولا ينطق بسوء

8 – زعم بعض الملوك ان الالهة لم تكتف بالدعم المعنوى لهم وانما شاركت بنفسها فى معاركهم حتى تضمن لهم النصر

راينا هذا فى مزاعم الملك الاشورى توكلتى نينورتا الذى زعم ان الإلهة عشتار بنفسها قادت جيشه وكانت فى المقدمة وقتلت اعدائه


وهكذا يتضح ان الاعتقاد بان النصر من عند الله او الالهة هو اعتقاد اسطورى قديم اعتنقته الشعوب والممالك القديمة لتبرير اطماعها السياسية والعسكرية والاقتصادية , كما ان هذا الاعتقاد الاسطورى كان تفسيرا من القدماء للتاريخ بمتغيراته وتقلباته وظهور ممالك واختفائها من على مسرح الاحداث العالمية القديمة .

فاذا انتقلنا الى المجتمعات والبلاد التى احتضنت الاديان الابراهيمية , فسنرى بوضوح ان مؤسسى تلك الاديان كان لهم نفس الموقف الفكرى الاسطورى القديم , وكانت عقولهم مشحونة فى كل كبيرة وصغيرة بالتصورات والتفسيرات الاسطورية التى ورثوها من المناخ الفكرى الدينى الاسطورى السائد فى المنطقة , فنقلوا الاسطورة القديمة كما هى وان صاغوها صياغة تناسب عصرهم وتتفق مع ما استجد من معارف غابت عن القدماء , لكن جوهر الاسطورة هو هو لم يتغير
فتذكر كل ديانة على حده ان الاله ( يهوه فى اليهودية , يسوع فى المسيحية , الله فى الاسلام ) تكفل بنصر دينه او شعبه او رسوله او المؤمين به على اعدائهم ووهبهم او اباح لهم ارضهم وممتلكاتهم بسبب كفرهم او ظلمهم او طغيانهم او شرورهم , نفس الاسباب والمبررات التى زعمها الملوك القدماء تبريرا لعدوانهم واحتلالهم واستعبادهم للشعوب الاخرى .

وسيتركز حديثنا على الديانة اليهودية والديانة الاسلامية لاحتضانهما لنفس عقيدة الشعوب الغازية القديمة فى تبرير الحروب والتوسع والاحتلال على اساس دينى وزعمهم جميعا ان النصر من عند الله او الالهة , وغنى عن البيان ان المسيحية كان لها نفس الموقف لان العهد القديم يشكل جزء اساسى من كتابها المقدس .

اولا : اليهودية
كان حتما وضرورة مصيرية على القبائل العبرية الرعوية الاولى ان تحتضن فلسفة وعقيدة مساندة الاله لشعبه ونصره لهم على الامم اصحاب الارض الاصليين طالما ارادت هذه القبائل ان يكون لها وطن بين تلك الشعوب

فزعم كاتب سفر التكوين ان الاله العبرانى اختار من البشر خليلا ( ابراهيم ) غريبا عن المنطقة ووعده ان يهبه هو ونسله من بعده اراضى الغير , ارض تفيض لبنا وعسلا ,

" قال له انا الرب الذي اخرجك من اور الكلدانيين ليعطيك هذه الارض لترثها " تكوين 15 : 7

" في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام ميثاقا قائلا لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات " 15 : 18

وهكذا برر اليهود تواجدهم فى المنطقة كما برروا احتلالهم واغتصابهم للممالك القديمة والسيطرة على خيراتها , تماما كما فعل الاشوريين وعلى رأسهم الملك الاشورى " آشور بانيبال " الذى زعم ان الاله آشور وعده ووهبه اراضى الغير


يقول هذا الملك الاشورى عن نفسه فى احدى الوثائق الاشورية :
" انا اشوربانيبال , الكاهن المقدس , الخادم والدائم للصلاة والابتهال الى الالهة , ذلك الذى صاغته يد الاله آشور نفسه ...

وحرض سكان بلاد العرب على الانضمام له , ثم اخذ ينهب الشعوب التى منحنى اياها آشور وعشتار وبقية الالهة العظام لتصبح تحت قبضتى ولاكون راعيا لها ."

(( تاريخ العراق القديم , محمد بيومى مهران , ص 425 )

وعن غزوه لبلاد العرب بامر الاله آشور جاء باحدى الوثائق الاشورية على لسانه :

" اشتدت عليهم وطأة الجوع والعطش , ولكى يسدوا رمقهم اكلوا لحوم صغارهم وشقوا الجمال وشربوا دمائها , كما شربوا الماء الملوث ليطفؤا ظمأهم . ولم يفلت احد ممن صعدوا الى الجبل او اختبأوا فى البلاد من يدى , بل امسكت بهم فى يدى فى مخابئهم رجالا ونساءا , فضلا عن الحمير والجمال والماشية , واخذتها كلها غنيمة الى أشور , وقد ملأوا الارض التى منحنى اياها أشور الى اقصى اتساعها "

مزاعم كل مغتصب هى هى ولا جديد تحت الشمس !!

الاله يكلف شعبه بمحاربة البلاد الاخرى ويهبها لهم ارثا ويعدهم بالنصر والتأييد !!

القبائل العبرانية الاولى زعمت ان معبودها يهوه وعدهم الارض لتكون لهم ولاجيالهم الى الابد , ومن هذه الاراضى كانت ارض كنعان التى صورتها نصوص المغتصب بالظلم والطغيان تبريرا لاحتلالها

والحقيقة ان العبرانيين كانت لهم اطماع سياسية استيطانية , فبرروا غزواتهم على شعوب المنطقة واحتلالها بذلك التبرير الدينى الاسطورى الزائف , وجعلوا معبودهم يهوه هو الذريعة ( الشماعة ) التى يعلقون عليها اهدافهم وطموحاتهم .

وتسجل لنا اسفار التوراة سلسلة الجرائم اليهودية ( الانتصارات الالهية من وجهة نظر المغتصب الغازى الفاتح ) والتى ينصر فيها الاله شعبه اليهودى على اعدائه , تماما كما فسر ملوك الشعوب القديمة انتصاراتهم باعتباره نصر من الاله .

وكما قدمنا نماذج من النصوص القديمة المصرية والرافدية , نقدم نصوص اليهود المقدسة والتى تكرر تلك المزاعم وتبرر تلك الحروب . لقد فسر اليهود انتصارهم على اعدائهم على انه نصرا من عند الاله , ذلك التفسير الاسطورى القديم .

1 – يهوه ينصر اليهود على المصريين

بالرغم من طردهم المخزى من مصر , هذه الدولة التى استافتضهم لمئات السنين بحسب رواية التوراة , الا ان اليهود زعموا ان يهوه نصرهم على المصريين عندما اخرجهم من مصر ( ارض الظلم والكفر ) بعجائب وبمعجزات وبضربات مروعة حار فى امرها المصريون

فتروى التوراة ان فرعون مصر خرج بجيشه لملاحقة العبرانيين الفارين الهاربين :

"و اخذ ست مئة مركبة منتخبة و سائر مركبات مصر و جنودا مركبية على جميعها " خروج 14 : 7

وكما كانت الإلهة عشتار على رأس جيش الملك الاشورى " توكلتى نينورتا " وكانت تشارك فى مجريات الحرب , نجد يهوه الاله اليهودى او ملاكه كان على راس جيش العبرانيين وكان يشارك فى مجريات المعركة :

" فانتقل ملاك الله السائر امام عسكر اسرائيل و سار وراءهم و انتقل عمود السحاب من امامهم و وقف وراءهم " خروج 14 : 19

" و كان في هزيع الصبح ان الرب اشرف على عسكر المصريين في عمود النار و السحاب و ازعج عسكر المصريين و خلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة فقال المصريون نهرب من اسرائيل لان الرب يقاتل المصريين عنهم " خروج 14 : 24 – 25

وعن الانتصار الساحق للاله اليهودى الذى نصر اليهود على اعدائهم نقرأ :

" فدفع الرب المصريين في وسط البحر فرجع الماء و غطى مركبات و فرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر لم يبق منهم و لا واحد
و اما بنو اسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر و الماء سور لهم عن يمينهم و عن يسارهم
فخلص الرب في ذلك اليوم اسرائيل من يد المصريين و نظر اسرائيل المصريين امواتا على شاطئ البحر "

خروج 14 : 27 – 30

وهكذا قام الاله اليهودى يهوه بنصر شعبه على القوم الظالمين !!

ولقد كرر القرآن هذه الاسطورة اليهودية بحذافيرها حيث جاء بالقرآن ان " يهوه " – الذى اصبح يحمل اسم " الله " بصيغته العربية – نصر بنى اسرائيل على المصريين بان اغرقهم جميعا فى البحر .

" وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ " البقرة (50)

" فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا " الاسراء (103)

" فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ " الاعراف (136)

" وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ " الانبياء (77)


ويلاحظ ان سبب الاغراق واحد فى الروايتين التوراتية والقرآنية وهو ان قوم فرعون ( المصريين ) كانوا من الاشرار الظالمين , فقام الاله " يهوه " اليهودى , او" الله " الاله باسمه العربى الذى تبناه محمد من ثقافته العربية , بنصر اتباعه المؤمنين اليهود

وذلك السبب الدينى لهزيمة الظالمين ( المصريين ) هو نفس سبب تأييد الاله الاشورى للملك الاشورى " سنحاريب " فى حروبه مع الامم الاخرى وسبب نصره للاشوريين " المؤمنين الصالحين " !!

2 – يهوه ينصر موسى والعبرانيين على اعدائهم العماليق

بعد خروج اليهود من مصر وبعد النصر الساحق الذى حققه لهم يهوه على المصريين , تذكر التوراة حربا اخرى لليهود مع شعبا اطلقت عليه " عماليق "

وكان النصر لليهود بمعونة " عصا الاله " !

" 8 و اتى عماليق و حارب اسرائيل في رفيديم

9 فقال موسى ليشوع انتخب لنا رجالا و اخرج حارب عماليق و غدا اقف انا على راس التلة و عصا الله في يدي

10 ففعل يشوع كما قال له موسى ليحارب عماليق و اما موسى و هرون و حور فصعدوا على راس التلة

11 و كان اذا رفع موسى يده ان اسرائيل يغلب و اذا خفض يده ان عماليق يغلب

12 فلما صارت يدا موسى ثقيلتين اخذا حجرا و وضعاه تحته فجلس عليه و دعم هرون و حور يديه الواحد من هنا و الاخر من هناك فكانت يداه ثابتتين الى غروب الشمس

13 فهزم يشوع عماليق و قومه بحد السيف "

خروج 17

فطالما كان موسى يرفع هذه العصا السحرية فكان النصر حليفه على اعدائه

ولقد تحقق النصر للمجهود الكبير الذى بذله موسى فى رفعه لعصا الاله

والتى يبدو انها كانت ثقيلة الوزن !!


الكاتب: سواح
المصدر: شبكة اللادينيين العرب

2 تعليق(ات):

إظهار/إخفاء التعليق(ات)

إرسال تعليق

ملاحظة: المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة رأي ناشرها